2026: عام إعادة رسم الخريطة النقدية

2026: عام إعادة رسم الخريطة النقدية
بقلم لبنى عويضه
يحلّ عام 2026 على العالم مثقلاً بالشكوك، فهو عام اختبار حقيقي لمنظومة نقدية ومالية اهتزّت ركائزها خلال السنوات الأخيرة، سيما منذ الأزمة التي رافقت جائحة كورونا في عام 2019. وفي صلب هذا المشهد المأزوم، يقف لبنان المنهك في مفارقة لافتة، حيث تتقاطع أزمته الداخلية مع تحوّلات عالمية أوسع، أبرزها اهتزاز هيبة الدولار على المستوى العالمي.
ولا يخفى أنّ لبنان لا يزال يعيش تداعيات انهيار عام 2019، فيما تنتظره في عام 2026 استحقاقات مصيرية على مستوى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوزيع الخسائر، واستعادة الحدّ الأدنى من الانتظام المالي. ولعلّ إقرار قانون الفجوة المالية في نهاية عام 2025، إلى جانب تعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف، يشكّل بوابة إلزامية لأي مسار إنقاذي، وشرطًا أساسيًا لإعادة فتح باب التفاوض الجدي مع صندوق النقد الدولي. غير أنّ هذه الخطوات، على أهميتها، لا تعني بالضرورة خروجًا سريعًا من الأزمة، بل انتقالًا منظّمًا من الفوضى إلى إدارة الخسائر.
في المقابل، يراقب العالم في هذا العام تحوّلات لا تقلّ خطورة في الاقتصاد الأميركي. فالولايات المتحدة، التي شكّل دولارها عماد النظام المالي العالمي لعقود، تواجه ضغوطًا متراكمة، من دين عام متضخّم، إلى مخاطر ركود، وانقسامات سياسية عميقة، وصولًا إلى احتمال تسييس السياسة النقدية مع تغيّر قيادة الاحتياطي الفدرالي. ومع تصاعد التوقّعات بخفض أسعار الفائدة، تتراجع جاذبية الأصول الأميركية، وتزداد الشكوك حول قدرة الدولار على الحفاظ على موقعه من دون منازع.
المفارقة هنا أنّ لبنان، على الرغم من إفلاسه، استطاع خلال العامين الماضيين تثبيت سعر صرف الليرة ضمن هامش ضيّق، مستفيدًا من ضبط الكتلة النقدية وتراكم احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. هذا الاستقرار، وإن كان هشًّا ومشروطًا، يعكس تحوّلًا في أدوات الإدارة النقدية، في وقت تهتزّ فيه عملة الدولة الأقوى في العالم تحت وطأة السياسة والديون.
غير أنّ هذا المشهد لا يمكن فصله عن عامل مشترك يربط الأزمتين، ألا وهو فقدان الثقة. ففي لبنان، سقطت الثقة بالمصارف والدولة، وفي العالم، بدأت الثقة بالعملات الورقية تتآكل تدريجيًا. من هنا، لا يبدو صعود الذهب والمعادن الثمينة مجرّد موجة استثمارية ظرفية، بل انعكاسًا لتحوّل أعمق في سلوك الدول والمستثمرين. فالبنوك المركزية تعيد النظر في تركيبة احتياطاتها، فيما تبحث الصناديق الاستثمارية عن ملاذات آمنة خارج المنظومة التقليدية.
في المحصّلة، لا يحمل عام 2026 وعودًا بالاستقرار بقدر ما يفرض مواجهة صريحة مع واقع جديد. فالنظام المالي العالمي، كما عرفه العالم لعقود، لم يعد قادرًا على إخفاء تصدّعاته خلف أرقام نموّ أو بيانات مرحلية. فاستقلالية المصارف المركزية لم تعد مسلّمة، والعملات لم تعد محصّنة، والثقة التي شكّلت العمود الفقري للاقتصاد الحديث تتآكل بهدوء ولكن بثبات. أما لبنان، فليس استثناءً ولا حالة معزولة، بل نموذجاً متقدّماً لانهيار بدأ يتشكّل عالميًا، وإن اختلفت سرعته وحدّته. أما من يتأخّر عن الاعتراف بهذا التحوّل، أو يراهن على عودة النظام القديم، لا يؤجّل الانهيار فحسب، بل يراكم كلفته، في عالم بات فيه الانكشاف النقدي حقيقة، لا احتمالًا.




