الفجر الجديد

لبنان في عيد الأضحى… كيف تُعيد الحروب تشكيل الوعي الجمعي؟

بقلم: نورا علي المرعبي

في العلوم الحديثة، لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بقدرتها على إعادة تشكيل السلوك المجتمعي، والوعي الجماعي، وحتى البنية النفسية للإنسان عبر الزمن.
ولهذا، فإنّ ما يعيشه لبنان اليوم، في ظلّ الحرب المستمرة والنزوح الواسع من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، لم يعد أزمة أمنية أو إنسانية فحسب، بل تحوّل إلى حالة عميقة من إعادة تشكيل الوعي النفسي والاجتماعي للمجتمع اللبناني بأكمله.

في عيد الأضحى هذا العام، يبدو المشهد اللبناني وكأنّه يعيش تناقضًا قاسيًا بين محاولات التمسّك بالحياة وبين واقعٍ يومي قائم على الخوف وعدم اليقين. فبينما تحاول العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، يعيش جزء كبير من اللبنانيين حالة استنزاف داخلي غير مسبوقة، ناتجة عن التعرّض المستمر للحرب، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، والخوف المزمن من المستقبل.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ أعداد النازحين داخليًا في لبنان تجاوزت المليون شخص منذ تصاعد المواجهات، معظمهم من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مع تسجيل ارتفاع مقلق في المؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية والاضطرابات السلوكية لدى الأطفال والعائلات المتضررة.

لكنّ قراءة هذه الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يحدث فعلًا داخل المجتمع اللبناني.

فعندما يعيش الإنسان سنوات طويلة داخل بيئة قائمة على التهديد والخوف وعدم الاستقرار، يبدأ العقل تدريجيًا بإعادة تشكيل طريقة فهمه للعالم، وللخطر، وللهوية، وحتى لفكرة الأمان نفسها. ومع الوقت، تتحوّل بعض المفاهيم والخطابات والشعارات إلى آليات دفاع نفسي، لا مجرد مواقف فكرية أو سياسية.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الحالة اللبنانية.

فبعض الفئات التي نشأت منذ طفولتها داخل بيئات مشبعة بالحرب والخوف والتعبئة المستمرة، باتت تبني جزءًا من هويتها النفسية على هذه الحالة نفسها. لذلك، ما يزال البعض يردّد المصطلحات والانفعالات ذاتها رغم حجم الخسائر والانهيار والنزوح المستمر. وليس دائمًا لأنّهم يرفضون رؤية الواقع، بل لأنّ الإنسان الذي يعيش طويلًا داخل بيئة قائمة على الخوف الوجودي، تتشكّل لديه مع الوقت استجابات نفسية دفاعية مرتبطة بالبقاء والانتماء والشعور بالأمان.

علم النفس الاجتماعي يفسّر هذه الظاهرة بأنّ المجتمعات التي تتعرّض لصدمات طويلة الأمد تميل إلى إعادة إنتاج الخطابات ذاتها كوسيلة دفاع نفسي جماعي، حتى عندما تصبح هذه الخطابات جزءًا من الأزمة نفسها. فالإنسان المرهق نفسيًا لا يتفاعل دائمًا بعقلانية باردة، بل عبر منظومة داخلية يقودها الخوف، والذاكرة العاطفية، وغريزة البقاء.

وفي موازاة ذلك، يؤكد علم الأعصاب السلوكي أنّ التعرّض المزمن للحروب يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهّب دائم، بحيث يبقى الإنسان مستعدًا نفسيًا للخطر حتى في لحظات الهدوء النسبي. وهذا ما يفسّر الارتفاع الملحوظ في مستويات القلق، والانفعال، والتوتر الاجتماعي، والانقسام الحاد داخل المجتمع اللبناني اليوم.

الأخطر أنّ هذا الواقع لا يتوقف عند الجيل الحالي فقط، بل ينتقل تدريجيًا إلى الأطفال والأجيال الجديدة. فالطفل الذي يكبر اليوم وسط النزوح، وصور الدمار، وأصوات القصف، والخوف المستمر، لا تتشكّل ذاكرته النفسية كما تتشكّل ذاكرة طفل يعيش في بيئة مستقرة. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية وبرامج الدعم النفسي في مناطق النزاعات إلى ارتفاع معدلات اضطرابات القلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والانغلاق الاجتماعي، والتطرّف السلوكي لدى المجتمعات التي تتعرّض لحروب ممتدة زمنيًا.

وفي لبنان، تتضاعف خطورة هذا الواقع بسبب الانهيار الاقتصادي المستمر، حيث يصنّف البنك الدولي الأزمة اللبنانية ضمن أكثر الأزمات الاقتصادية حدّة عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، فيما يعيش معظم اللبنانيين ضمن مستويات مرتفعة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

عندما تجتمع الحرب، والنزوح، والانهيار المالي، والخوف المزمن داخل مجتمع واحد، فإنّنا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام حالة استنزاف وجودي جماعي، يبدأ فيها الإنسان تدريجيًا بفقدان قدرته الطبيعية على تخيّل المستقبل أو الشعور بالحياة بشكل طبيعي.

ولهذا، فإنّ أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه لبنان اليوم هو الاستمرار في مقاربة الأزمة بمنطق الانقسام والكراهية والتخوين. فالمجتمعات المُنهكة نفسيًا لا تُعاد معالجتها عبر المزيد من الصدام، بل عبر إعادة بناء الإحساس بالأمان والثقة والاستقرار وربط الإنسان مجددًا بالحياة الطبيعية والإنتاج والمعنى.

إنّ إعادة بناء لبنان لا تبدأ فقط بإعادة إعمار الحجر، بل بإعادة ترميم الإنسان نفسيًا واجتماعيًا ومعرفيًا. لأنّ الحروب الحديثة لا تنتصر فقط عندما تدمّر المدن… بل عندما تنجح في تحويل الخوف إلى حالة اعتيادية داخل الإنسان، والانقسام إلى جزء من الهوية اليومية، والقلق إلى أسلوب حياة دائم.

وفي عيد الأضحى هذا العام، يبدو السؤال الحقيقي في لبنان أعمق من السياسة والحرب نفسها:
هل ما يزال المجتمع اللبناني قادرًا على استعادة مفهوم الحياة الطبيعية… أم أنّ الحرب بدأت تتحوّل تدريجيًا إلى بنية نفسية مستقرة داخل الوعي الجمعي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى