منوعات

جبروت الألف..

بقلم:الاديبة والشاعرة لينا ناصر

الألف أول الحروف
وآخر ما تبقّى واقفًا
عندما سقطت الأبجدية من فم الزمن..
كان الجميع يبحث عن معنى، والألف كانت تبحث عن قامة..
وقفت دون أن تفكر أن الوقوف بطولة، إذ لم يكن من طبعها الإنحناء..
كأن الله حين أودع الحروف أرواحها، اقتطع من شموخ الجبال خطا واحدا وأطلق عليه اسم الألف..
أبٌ للأبجدية، وأفقٌ للأسرار، وأثرٌ للأزل ،وأمانٌ للأرواح، وأيقونةٌ للأبد..
كلما ازدحم السطر بانكسارات الحروف ظلّت الألف تتقدّم المشهد كالأسد ..
ولو تعمقنا قليلا لوجدنا جمال المتناقضات تختصرها الألف ك:
ألفِ الأمل، وألفَ الألم!
ألفَ الأنس، وألفَ الوحشة!
ألفَ الأمان ، وألفَ الاغتراب!
ألفَ الألفة، وألفَ العاصفة!
ألفَ الاعتراف، وألفَ الإنكار!
ألفَ الانتظار ، وألفَ الوصول!
ألفَ الاحتراق، وألفَ الارتواء!
ألفَ الانطفاء، وألفَ الاشتعال!
ألفَ الأسر، وألفَ الانعتاق!
ألفَ الابتداء، وألفَ الانتهاء!
وفي كل معنى تبقى الألف ثابتة لا تتغير ولا نهتز ..
وحدها المعاني تشيخ وتتبدل ،
أما هي فكلما حملت كلمةً جديدة، عادت أكثر استقامة…
الألف لا تسير مع الحروف
الحروف هي التي تمشي في ظلها..
لا تشرح المعنى بل تأمره أن يولد..
الألف لا تخشى الاحتضار..
لأن الموت نفسه إذا أراد أن يُكتب استأذن الألف أولًا.
حتى الأنين لم يجد بابًا إلى القلب
إلا من بوابتها..
والأماني على كثرتها لم تستطع أن ترتفع إلى السماء،
إلا حين تعلّقت بقامتها.
فالألف لا تسكن الكلمات،
الكلمات هي التي تسكنها
والأبجدية تخضع لهيبتها..
فالباء مثلا:
تنحني لتحتضن نقطة .
والجيم تحرس انحناءها.
و السين تتشظى أمواجا…
و النون تخبئ سرّها في نقطة
أما الألف فلم تحتج يومًا
انحناءة ولانقطة ولا زينة..!
يكفيها أن تكون مستقيمة لتعلم الوجود أن الكبرياء الحقيقي
ليس إلا تعبيرا عن وفاء كامل لقامةٍ لا تعرف الالتفات..
فكلما بدأت الحكايات كانت أول من يعبر أبوابها..
وكلما انتهت الحكايات بقيت واقفة تشهد على الغياب
ولكل ألفٍ :ألفُ أفق ، وألفُ أمنية وألفُ أسطورة ، وألفُ أنين، وألفُ اعتراف، وألفُ انتظار، وألفُ احتراق، وألفُ اغتراب، وألفُ انتصار ، وألفُ انكسار..
ثم تعود بعد كل هذا الضجيج وحدها واقفة..
كأن الأبجدية كلها تحولت إلى ظلال خرجت من قامتها،
وقضت عمرها الطويل تحاول بلوغ جبروت الألف!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى