ثقافةمنوعات

(الإعراض) سبب الانهيار الحضاري .. قوم سبأ نموذجًا

بقلم: سهير أومري

يصف القرآن حال قوم سبأ عندما وصلوا إلى قمة الازدهار: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]
يذكر المفسرون أن سبأ كانت في مأرب باليمن، وأنهم شيّدوا سدًّا عظيمًا بين جبلين يحجز مياه السيول، فتتوزع على بساتين لا تنقطع ثمرتها صيفًا ولا شتاءً .
حتى قيل في وصف النعمة: “كانت المرأة تمشي وعلى رأسها المكتل (السلة)، فيتساقط الرُّطب فيه من غير أن تمدّ يدها.”
الآية ترسم أربعة عناصر مثالية لأي أمة:
مورد اقتصادي ثابت: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾
أرض صالحة للحياة: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾
فرصة روحية مفتوحة: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
شرط ضمني: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾
هكذا يعطي القرآن نموذجًا لشعبٍ يملك موارد ونهضة ومجالًا روحيًّا للعلاقة مع الله، أي أن كل مقومات صناعة شعبٍ قوي كانت متوفرة… لكن النتيجة كانت عكس المتوقع.

من الشكر إلى الإعراض — بداية السقوط:
بعد آية النعمة مباشرة، يأتي الانحراف: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16]
“فأعرضوا” كلمة قصيرة تلخّص مرض الشعوب حين تشبع: لم يُذكر هنا ظلم اقتصادي أو هزيمة عسكرية أولًا، بل ذُكر الإعراض عن الشكر والطاعة والحق.
يعلّق ابن كثير بأن الله بدّل لهم الجنان المثمرة ببساتين ذات ثمرٍ مُرٍّ قليل النفع (خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)، جزاءً على كفران النعمة.
ثم يقرّر القرآن القاعدة القاطعة: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۚ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17]
وبهذا نرى أنه: ليس أخطر ما يصيب الأمة أن تفتقر إلى الموارد، بل أن تفسد علاقتها بالنعمة:
– تنسبها لذكائها لا لفضل الله.
– وتستخدمها في الظلم والبطر لا في العمران والشكر.

من «الاجتماع» إلى «التمزيق» — تشريح الانهيار الحضاري:
لا تقف القصة عند الحدث الطبيعي (سيل العَرِم)، بل يوضّح القرآن أثره الاجتماعي والسياسي:
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19]
تحوّلوا من قوة إقليمية مزدهرة إلى شتات قبائل تنتشر هنا وهناك.
يذكر ابن كثير أن قبائل سبأ تفرّقت في الجزيرة العربية بعد السيل، فمنهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من استقر في نجد والحجاز وغيرها.
هذا التحوّل من تجمع عمراني متماسك إلى أفراد وقبائل ممزقة هو بالضبط ما يمكن أن نسميه اليوم: “تفكك البنية الحضارية للشعب”.
يلخّص القرآن ما حدث بكلمة: “فأعرضوا”، ثم يصف النتيجة: “مزَّقناهم كل ممزَّق”.
وكأن المعنى: حين يتفكك الوعي بالإعراض، يتبعه تفكك الجغرافيا والتاريخ.

قراءة معاصرة: قوم سبأ نموذجًا لـ«شروط النهضة المهدورة»؛
إذا قرأنا قصة سبأ في ضوء فكر ابن خلدون ومالك بن نبي، نستطيع أن نرى فيها “درسًا متجددًا” لصناعة الشعوب:
ابن خلدون — دورة الحضارة: من النعمة إلى الترف إلى السقوط
فابن خلدون يشرح أن الدول تبدأ قوية متقشفة، ثم إذا انتقلت إلى الترف والبطر فسدت العصبية وسقطت الدولة.
والعصبية عند ابن خلدون هي قوة التماسك الاجتماعي التي تحفظ الدولة، فإذا أضعفها الترف وتقدّمت الفردية على روح الجماعة، انهارت الدولة تدريجيًا.
وقوم سبأ نموذج قرآني مبكر لهذا المسار:
من جهد وبناء سدٍّ واستثمار نعمة، إلى إعراض وبطر وتهاون، ثم انهيار السدّ وانهيار المجتمع معه.
مالك بن نبي — “قابلية الفناء الحضاري”
يوضّح ابن نبي أن الأمة التي تمتلك أدوات الحضارة (ثروة، أرض، موقع) عندما ينقصها “الإنسان المؤهَّل”،
يصبح كل ما لديها قابلاً للتحول إلى لعنة.
قوم سبأ امتلكوا:
– أرضًا طيبة.
– موارد مائية منظمة بسدٍّ عبقري.
– موقعًا تجاريًا بين اليمن والشام.
لكن افتقدوا الإنسان الشكور الذي يتمثل رسالة الشكر والعدل، فتحولت نعمتهم إلى نقمة، وسدّهم إلى سيلٍ مدمّر.

الدرس المستفاد لصناعة الشعوب:
قصة قوم سبأ تعلّمنا أن:
النهضة ليست وفرة موارد فقط.
بل طريقة إدراك الشعب لعلاقته بنعمته: هل يراها أمانة أم امتيازًا؟
الاستقرار المادي يمكن أن يسبق الانهيار الحضاري، إذا فُقدت قيمة الشكر والعدل والأمانة.
الشعوب قد تُعطى «بلدة طيبة وربًّا غفورًا»، لكنها تختار الإعراض والتخلي عن واجبها الحضاري في إقامة الحق والعدل في الأرض، فيأتيها “سيل العَرِم” بأشكال مختلفة: حروب أهلية، فساد مستشر، تفكك اجتماعي… وكلها ليست “مصادفات سياسية”، بل نتائج سنن اجتماعية مذكورة في القرآن.
من هنا، يظهر قوم سبأ كـ نموذج تحذيري للشعوب العربية: نملك كثيرًا من الموارد، لكن السؤال الحاسم:
هل نملك وعي الشكر والبناء، أم نعيد إنتاج “فأعرضوا” في ثوبٍ جديد؟

من كتاب #نظرية_الشعوب
للكاتبة سهير أومري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى