“أنقذتني من الغرق”

بقلم:هبة بقار
إلى أستاذي الفاضل المربّي العظيم ” أحمد عبد الفتّاح”
ليس كلُّ جميلٍ يُقال في حينه، ولا كلُّ فضلٍ يُؤدَّى حقُّه ساعة وقوعه. هناك كلماتٌ تظلُّ سنواتٍ تبحث عن اللحظة التي تستحق أن تُقال، وها أنا اليوم أكتب إليك كلمةً تأخرت كثيرًا، لكنها خرجت من قلبٍ لم ينسَ يومًا أثرَك فيه.
قد يستغرب البعض بعد قراءة رسالتي لك أنّك لم يصدف أن تكون في أحد الصفوف ولا مرّة أستاذاً قد علّمني أي مادّة ، ولكن كنتَ في سنوات الدراسة أكثر من منسقٍ لمادة اللغة العربية؛ كنتَ عينًا ترى ما لا يراه الآخرون، وتؤمن بما يعجز صاحبه أحيانًا عن الإيمان به. كنتَ تختارني دائمًا للمهام الأصعب، ولتمثيل المدرسة في المحافل والأنشطة والمنافسات المحليّة والوطنيّة التي ترفع صورتها ، لا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنك رأيت في داخلي قدرةً لم أكن قد اكتشفتها بعد، ورأيت في روحي ما يستحق أن يُصقل ويُدفع إلى الأمام.
ولا أنسى كلماتك التي قلتها لي ذات يوم، وكأنها نُقشت على جدار ذاكرتي لا على مسامعي:
“أنتم آل بقّار، كلكم تحملون روح الفن والذكاء، وأنتِ تشبهين عمَّك الرسام… فنانة.”
وأذكر مرة ردّك حين دخلت َ واقتحمت َ حصّة مادّة الإجتماع واستأذنت بأخذي من الصفّ لتكلفني بمهمّة كتابة نصّ مهمّ ، حينها عبّرت إحدى الزميلات عن استيائها لكونك تختارني دائما دون ان تجري مباراة منصفة ،قلت لها يومها : في الأوقات الصعبة والضيّقة لا يمكننا إلّا أن نختار فوراً.
ربما كانت بالنسبة إليك جملةً عابرة، لكنَّها بالنسبة إليَّ لم تكن كذلك أبدًا.
كانت تلك الكلمات في بداية حياتي وقودًا يدفعني إلى النجاح في كل مهمةٍ أسندتها إليَّ، ثم جاءت الحياة بما جاءت به من عثراتٍ ومسؤوليات، وتأخرٍ في الدراسة، وظروفٍ كادت تطفئ ما بداخلي من طموح. وفي كل مرةٍ كنتُ أتعثر، كانت كلماتك تعود لتطرق باب ذاكرتي بإلحاح، لا لتواسيني، بل لتؤنبني. كنت أشعر أنني خذلت الصورة التي رسمتها لي، وأنني ظلمت نفسي قبل أن أخذلك.
كنتُ أردد بيني وبين نفسي: لا بد أن أصل… لا بد أن أكون على قدر ذلك الإيمان الذي وضعه أستاذي فيَّ يومًا.
ولعلَّك نسيت تلك العبارة منذ زمن، ولعلَّك لا تعلم أنك كنت حاضرًا في أكثر معاركي صمتًا، وأن كلماتك كانت تقف في وجهي كلما فكرت في الاستسلام، وتشدني إلى الأمام كلما أوشكت أن أتراجع.
كنت أخجل من فكرة أن ألتقيك يومًا فتسألني: “ماذا أصبحتِ؟” فأجيبك: “لا شيء.”
لذلك قررت أن أتابع الطريق، مهما تأخر الوقت، ومهما اشتدت الظروف، ومهما بدا الوصول بعيدًا. قررت أن أحارب، لا لأثبت للناس شيئًا، بل حتى لا أخذلك، ولا أخون ثقتك التي سبقت ثقتي بنفسي.
ثم شاء الله أن نلتقي مجددًا بعد سنوات، وقد أصبحتُ أمًّا لثلاثة أطفال. ومع ذلك، استقبلتني كما كنت دائمًا؛ دفعتني إلى خشبة المسرح لألقي قصيدة، وكأنك كنت تعيد إليَّ ذلك الجزء من روحي الذي كاد يغيب. ولم تكتفِ بذلك، بل عرضت عليَّ أن تساعدني في أن أصل، وأن توثق نجاحي، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأنك ما زلت تؤمن بأن تلك الطفلة قادرة على أن تحقق ما حلمت به.
واليوم، يا أستاذي…
أنا مدينةٌ لك بأكثر مما تتصور.
مدينةٌ لك لأنك كنت أول من رأى في داخلي ما عجزتُ أنا عن رؤيته.
مدينةٌ لك لأن كلمةً منك صنعت في داخلي ضميرًا لا يقبل الاستسلام.
مدينةٌ لك لأنك غرست في أعماقي يقينًا ظل ينمو بصمت حتى أثمر بعد سنواتٍ طويلة.
واليوم، كلما سمعت كلمات الثناء على عملي، أو الإشادة بعلمي، أو قال لي أحدهم إنني مثالٌ للمرأة المناضلة، والطموحة، والأم الناجحة، أبتسم في سري، لأنهم لا يعلمون أن وراء كل ذلك معلمًا غرس بذرةً ثم مضى، بينما بقيت البذرة تنمو في الخفاء حتى أصبحت شجرة.
ولعل أجمل ما ورثته عنك ليس النجاح نفسه، بل طريقتك في صناعة النجاح داخل الآخرين.
ولهذا، كلما التقيت امرأةً أثقلتها الظروف، أو أوشكت أن تستسلم، أحاول أن أمد إليها يدًا من التشجيع، وأن أقول لها كلمةً تعيد إليها الإيمان بنفسها، كما فعلت أنت معي يومًا. أرجو أن أكون امتدادًا لذلك الأثر الجميل، وأن أكون، ولو بقدرٍ يسير، اليد التي ترفع الآخرين كما رفعتني.
قد تفاجئك رسالتي، ولكنني آمنت أن للامتنان أوانًا لا ينبغي أن يفوته صاحبه. لذلك لن أنتظر أن يرحل من كان له الفضل في حياتي، ثم أقف بين الناس أعدد مناقبه. أردت أن أقول لك: شكرًا، وأنت تسمعها، لأن أجمل الوفاء ما قيل في حياة أصحابه، لا ما كُتب على شواهد الغياب
فالشكر الذي يُقال للأحياء أصدق، والامتنان الذي يسمعه صاحبه أجمل.
لذلك أقولها اليوم بعد أن أصبحت قادرة على أن أقف أمامك فخورة بنفسي ، من أعماق قلبي:
شكرًا لأنك آمنت بي قبل أن أؤمن بنفسي.
شكرًا لأنك كنت القوة الخفية التي كانت تمنعني من الاستسلام كلما أوشكت على السقوط.
شكرًا لأنك لم تزرع فيَّ مجرد كلمة، بل زرعت قدرًا كاملًا من الأمل.
أسأل الله أن يجزيك عن كل طالبٍ رفعت همته، وكل روحٍ أيقظت فيها الإيمان بنفسها، خير الجزاء، وأن يجعل كل نجاحٍ حققه تلاميذك صدقةً جاريةً في ميزان حسناتك.
وسيظل اسمك حاضرًا في كل إنجاز أحققه، لأن بعض المعلمين لا يدرّسون اللغة فحسب، بل يكتبون في قلوب طلابهم سطورًا لا يمحوها الزمن.




