الروائية والسيناريست لونا قصير من وهج الكلمة إلى عين الكاميرا: المسيرة الملهمة للمبدعة لونا قصير


تنطلق الروائية والسيناريست اللبنانية-الفرنسية لونا قصير من خلفية ثقافية وحياتية غنية صاغت هويتها الإبداعية؛ فهي ابنة مدينة طرابلس العريقة، ولدت لأب لبناني وأم فرنسية. ولم يكن مستغرباً أن يثمر هذا المزيج الثقافي نتاجاً أدبياً عابراً للقارات؛ حيث تؤمن لونا أن كل المحطات المهنية والشخصية التي مرت بها في حياتها كانت تمهيداً صوفياً لِتحطَّ رحالها في عالم الرواية والسينما.
قبل تفرغها التام للإبداع عام 2014، خاضت لونا غمار العمل في مجالات حيوية متعددة ومتنوعة؛ شملت قطاعات التأمين، التسويق، الإدارة، والترجمة. ولم تنحصر خبراتها في جغرافيا واحدة، بل تنقلت وسافرت بين دول عدة، تاركةً بصمتها المهنية في لبنان، وفرنسا، وقطر، ومسقط (سلطنة عُمان)، قبل أن تعود بعد سنوات مديدة إلى حضن وطنها لبنان.
منذ انعطافتها الكبرى نحو الأدب عام 2014، انخرطت لونا في عالمٍ يشبه روحها وتوجهها الإنساني؛ فرفدت المكتبة العربية بـ ستة إصدارات روائية متميزة، انطلقت من كتابها التأسيسي “القميص الزهري” (2014)، لتبحر بعده في عوالم رواياتها: “بلاد القبلات” (2015)، “فراشة التوت” (2017)، “مرآة الروح” (2018)، “غرفة مغلقة” (2023)، وصولاً إلى روايتها “أخطاء وخطايا” (2024).
واليوم، تفتح أفقاً عالمياً جديداً بـ روايتها السابعة المكتوبة باللغة الفرنسية “L’ange gardien de Lili“ (الملاك الحارس لـ ليلي) والتي باتت قيد الطباعة في فرنسا، ويجري العمل حالياً على ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية لتدق بها أبواب العالمية.
ولم تقف طموحات لونا قصير عند حدود الحرف المكتوب؛ بل فاجأت الساحة الثقافية والسينمائية بتحويل نصوصها ورؤاها الروائية الوجدانية إلى أفلام سينمائية ناطقة بالبصر. وها هي اليوم تتوج هذه المسيرة بإصدار وأفلام قصيرة متميزة تعبر بها نحو المهرجانات الدولية، لتثبت أن “السينما المكتوبة على ورق” في رواياتها قد وجدت طريقها الأجمل إلى الشاشة الفضية.


اعترافات إبداعية: كيف صهرت لونا قصير خبراتها الحياتية لتصنع “سينما على ورق”؟
في لقاءٍ مفعم بالصراحة والعمق، اعترفت الروائية والسيناريست لونا قصير أنها اكتشفت موهبتها الأدبية في عمرٍ متأخر، لكنها تؤمن بيقين تام أن كل المراحل والمنعطفات التي مرت بها في حياتها العملية لم تكن عبثاً، بل كانت الرافد الأساسي الذي أمدّ تجربتها بزخمٍ فكري وإنساني كبير. فخلال سنوات عملها الطويلة وتنقلها بين جغرافيات متعددة، اختلطت بجنسيات وثقافات متباينة، وهو ما منح قلمها قدرة استثنائية وطاقة هائلة على تفكيك وتشريح الشخصيات المختلفة ووصفها بدقة نفسية واجتماعية مبهرة.
هذا المزيج الثري جعل من روايات لونا تجربة مغايرة تماماً؛ إذ تتميز كتاباتها بحوار درامي متماسك ونابض بالحياة، وهو ما دفع النقاد والباحثين إلى التأكيد على أن روايات لونا ذات طبيعة بصرية طاغية تميل بالفطرة إلى الفن السابع. فأنت معها لا تقرأ مجرد رواية أو تقلب صفحات صامتة، بل يتهيأ لجموح خيالك أنك تجلس في قاعة العرض وتشاهد فيلماً سينمائياً متكامل الأركان.
هذا الثناء النقدي، وتلك الرؤية المشهدية المتجذرة في مخيلتها، كانا الدافع الأكبر الذي حثّ لونا على اتخاذ خطوتها الشجاعة بتحويل كلمات نصوصها إلى لوحات ناطقة بالبصر على الشاشة الفضية. وها هي اليوم تفاجئ الساحة الفنية والسينمائية بفيلمها القصير المتميز “أسرار الحقيبة الحمراء“، والمستوحى في أصله من نص وجداني طوّرته بعناية من كتابها التأسيسي الأول “القميص الزهري 2014“ ليتنفس الحياة سينمائياً.
ولا يتوقف طموح لونا عند هذه المحطة؛ بل تواصل بشغف التحضير والإعداد لعدة أفلام قصيرة أخرى تطرق أبواب قضايا كوكبية وإنسانية شائكة، على أمل أن تكتمل هذه الرؤية وتتحقق أمنيتها الكبرى قريباً في إخراج وتنفيذ فيلمها السينمائي الطويل، لتعبر بقلمها وفكرها من ضيق الدفات إلى رحابة الشاشات العالمية.
عندما سُئلت لونا قصير بشغف: “لماذا اخترتِ أن يكون فيلمكِ الجديد منفذاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي؟“ ابتسمت ابتسامةً تحمل الكثير من الوعي والواقعية وقالت: “إن الدخول إلى عالم صناعة السينما التقليدية ليس بالأمر السهل، خاصة وأنني قادمة من عالم الرواية ولم أنخرط سابقاً في كواليس الإنتاج السينمائي المعقد. لذلك، وجدتُ في الذكاء الاصطناعي أداةً طيّعة سمحت لي بأن أُنتج هذا الفيلم القصير بشكل مستقل تماماً، وبما يتطابق بدقة مع رؤيتي البصرية الخاصة.


وتؤكد لونا أن اللجوء إلى هذه التقنيات هو نوع من مواكبة العصر؛ فالعالم يتطور بشكل متسارع، والذكاء الاصطناعي بات يتصدر واجهة الإعلانات والدعايات وصناعة الأفلام القصيرة، ولا أحد يعلم يقيناً إلى أين سنصل مع هذه الثورة التكنولوجية. وتقول: “أنا لا أمانع أبداً في استخدام الذكاء الاصطناعي للأفلام القصيرة، خاصة إذا نُفّذت باحترافية وتقنيات عالية.
لكن، وخلف هذه المواكبة الرقمية، تظل لونا الكاتبة الإنسانية متمسكةً بقلب الفن؛ إذ تصرُّ على أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت عبقريته، لن يحل مكان الإنسان في إظهار المشاعر الحقيقية الصادقة. وتُفصح عن رغبتها قائلة: “إذا كان الأمر يتعلق بتحويل رواية كاملة إلى فيلم سينمائي طويل، فإنني أفضل بالطبع أن يجسدها ممثلون من لحم ودم، ينبضون بالإحساس”.
وفي ختام حديثها، لخصت لونا هذه العلاقة الجدلية برؤية فلسفية عميقة قائلة: “في نهاية المطاف، الإنسان هو الذي يُغذي الذكاء الاصطناعي بفكره وإبداعه، ولذلك أنا مصرّة على أنه لا يوجد أي بديل رقمي يمكنه أن ينافس الروح والوجدان البشري.
لونا قصير: قلمٌ يكتب وجع الإنسان ويدير ظهره لتعقيدات السياسة
لم تكن لونا قصير يوماً كاتبةً عادية، بل هي امرأة مكافحة، جريئة، تمتاز بشجاعة أدبية جعلتها تخوض مجالات إبداعية متعددة دون أن تلهث خلف بريق الشهرة الزائف أو تبحث عن الأضواء؛ فكل ما تسعى إليه بيقين وإصرار هو إيصال رسائل اجتماعية وإنسانية نبيلة مستوحاة من قلب الواقع المعاش.
وفي زمنٍ بات فيه الوطن العربي يئن تحت وطأة الحروب، النزاعات، والانقسامات السياسية، اختارت لونا عن وعي تام أن تنحاز بالكامل للمواضيع الاجتماعية التي تخص الإنسان وصراعاته الوجودية واليومية. لقد اتخذت قراراً حاسماً بألا تقتحم عالم السياسة دهاليزه المعقدة؛ إيماناً منها بأن هذا المعترك يحتاج إلى حسابات ودراسات ومعلومات دقيقة قد تبعدها عن رسالتها الأسمى.
لذا، فضلت لونا أن تظل وفيةً للمواضيع الاجتماعية؛ لأنها نبض الشارع الذي عاشته، وتلمسته، وخبرت تفاصيله بنفسها. ومن هذا المنطلق، سكبت لونا كل تلك المشاهد والتخبطات في رواياتها وسيناريوهاتها بصدقٍ جارح وأمانةٍ مطلقة، لتظل كتاباتها وثيقةً إنسانية حية تنبض بروح الناس وتخاطب وجدانهم بعيداً عن صراعات السياسة الضيقة.


أحلام مؤجلة ومفاجآت قادمة: لونا قصير تمزج الخيال بالحقيقة في انتظار الوقت المناسب
في جعبة لونا قصير الكثير من الحكايات؛ إذ تمتلك مخزوناً غنياً من القصص والسيناريوهات المتميزة التي لم تبصر النور بعد، ولا تزال تنبض في دفاترها وعلى ورقها قيد الانتظار. وكالعادة، عندما سُئلت بشغف: “متى ستخرج هذه الأعمال إلى النور وتجد طريقها للشاشة؟“، ابتسمت ابتسامتها المعهودة المليئة بالأمل واليقين وقالت: “أنا أحاول جهدي، لكنني أؤمن بأن هناك مراحل عديدة ومحطات في الحياة تنتظرنا، ولا بد أن يأتي دور هذه الأعمال لتتنفس في الوقت المناسب.
وتؤكد لونا أن الرواية وكتابة السيناريو ينبثقان من الرؤية الإبداعية ذاتها، خصوصاً وأن كتاباتها ذات طبيعة بصرية خالصة تعتمد على الصورة والحركة قبل الكلمة. وبينما ننتظر بشوق عرض فيلمها الجديد في المهرجانات السينمائية المناسبة، تَعِدُنا لونا بمفاجآت فنية وعديدة قادمة؛ وهو أمر ليس بغريب على امرأة استثنائية ومكافحة، تمسك بزمام الجدية، وتمزج باحترافية مذهلة بين جموح الخيال وواقعية الحقيقة لتصنع مواضيع تدهش القارئ والمشاهد معاً.
مبارك للمبدعة لونا قصير تكريمها والمستحق في القاهرة، فهي قامة تستحق كل الاحتفاء، على أمل أن تكلل مشاريعها المستقبلية بالنجاح وأن تظل شاشاتنا ودور نشرنا تزدان بفيض قلمها وفكرها الراقِي.




