

بقلم المحامية الدكتورة ريتا سيدة كاشي
تعتبر الأزمة المصرفية الحالية واحدة من أعنف الأزمات الإقتصادية والإجتماعية في التاريخ المعاصر الحديث.
ذلك أن جوهر المشكلة الحالية يكمن في ضرب المفهوم القانوني للأمان المالي وهضم لحقوق المودعين المقدسة ونسف لمفهوم النظام المصرفي بشكل كامل هذا النظام نفسه الذي كنا نتغنى به بالأمس القريب وبسريته المصرفية والذي اعتبر رائدا وصنف أنه من بين الأفضل دوليا لكونه يوازي فعلاً الأنظمة المصرفية السويسرية بكل إمتيازاتها وخصائصها التي جعلتها الأولى عالمياً.
الوديعة قانوناً هي إلتزام وعقد يرتب على طرفيه المودع والمصرف موجباتٍ ويكسبهما بالمقابل حقوق هذه الحقوق المترتبة للمودعين هي للأسف ما يتم تجاهلها وغض النظر كلياً عنها اليوم من قبل المصارف دون أي وجه حق وتحت مسميات عديدة.
فما هي الوديعة قانوناً وما هي ابرز حقوق المودعين؟؟!!
عقد الوديعة النقدية هو عقد متبادل بمقتضاه يسلم المودع مبلغاً من النقود إلى أحد المصارف الذي يصبح مالكاً له، على أن يرده بقيمة تعادله دفعة واحدة أو على عدة دفعات عند أول طلب من المودع، أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعينة في العقد. كما يتعهد المصرف بدفع فائدة ابتداءً من اليوم الذي يلي كل إيداع إن لم يكن يوم عطلة. ولغاية النهار الذي يسبق إعادة كل مبلغ ما لم يكن هناك اتفاق مخالف.
ويقوم عقد الوديعة النقدية على فكرتين أساسيتين هما فكرة الحفظ التى تجعل العقد عقد وديعة وفكرة الاستثمار وهي تجعل من العقد عقد فرض.
وهو كسائر العقود المتبادلة يرتب حقوقا والتزامات على كل من طرفيه وهما المصرف والمودع كما أسلفنا وكما نعود لنؤكد.
فصحيح أنه وبمجرد ابرام العقد واستلام الوديعة النقدية يصبح المصرف مالكاً لها عملاً بالمادة ۳۰۷ الفقرة الأولى .ق. ت. ل ويجوز له بالتالي أن يتصرف بها كما يشاء.
ولكنه يلتزم بالمقابل برد مبلغ النقود الذي تلقاه من المودع لهذا الأخير دفعة واحدة أو على عدة دفعات عند أول طلب من المودع.
ويرد المصرف المال بذات العملة التي تم بها الإيداع وإذا كانت أجنبية فيحق للمودع استرداد المبلغ بالعملة الوطنية بعد تحويلها بالسعر الرائج يوم الاسترداد.
كما يلتزم المصرف أيضاً بدفع فائدة للمودع عن المبالغ المودعة إذا قضى بذلك الاتفاق أمر العرف إذ لا يعتبر دفع الفوائد متوجباً حكماً في عقد وديعة النقود كما هو الحال في الحساب الجاري.
اما الحق الأساسي للمودع فيتمثل باسترداد قيمة نقدية معادلة للوديعة التي أودعها للمصرف مع الفائدة المتفق عليها عند الطلب.
ويمكنه أن يوجه أمراً للمصرف لاسترداد الوديعة بحسب بنود العقد إما نقداً أو عن طريق الشك أو التحويل أو سند السحب كما يمكنه اجراء مقاصة بين الوديعة والديون المستحقة عليه للمصرف.
بعد أن يكون قد نفذ واجبه الأساسي تجاه المصرف والمتمثل بتسليم الوديعة النقدية إليه حسب الشروط المتفق عليها .
وبما أنه بعد هذا العرض يتبين لنا بوضوح أن سلوك المصارف الحالي وتمنعهم عن ردّ الودائع لأصحابها عند طلبها يعدّ مخالفة قانونية صريحة وخطأ عقدياً جسيماً وضرباً لمبداً العقد شريعة المتعاقدين.
لأن تعثر المصارف أو نقص سيولتها لا يعفيها من مسؤولياتها المدنية والقانونية ولا يسقط حق الحجز عليها استيفاءً للحقوق المترتبة للمودعين في ذمتها.
لكن ما يحصل في لبنان للأسف لا يمكن وصفه الا بالهندسة السياسية والمالية الخاطئة فإحتجاز الودائع اليوم بات يشكل كابوسا اجتماعيا وحياتيا” لكل مودع سواء كان لبنانيا أو أجنبيا تعامل ووثق بالمصارف اللبنانية وهذه الأزمة أعادت للأسف للبنانيين ذكرى بنك إنترا المرعبة الذي كان يسيطر على جزء ضخم من الاقتصاد اللبناني بقيادة الفلسطينين يوسف بيدس وتوقف فجأة عن إعادة الودائع بسبب أزمة سيولة مفاجئة هذه الأزمة التي جرى انقساماً كبيراً حول تحليل حقيقة تفاصيلها وملابساتها.
ففي حين اعتبر فريقا أول ممثلا بالدولة اللبنانية في غالبيته ان صاحب المصرف هو الذي فشل في إدارته فقد نقلت صحيفة الحياة بعددها الصادر بتاريخ 1/2/1966 حرفياً ما ورد على لسان الرئيس صائب سلام آنذاك الذي ذهب الى حدود اتهام المصرف بالاحتيال قائلا “: لماذا نبحث عن الشمس في رابعة النهار؟ ان سبب أزمة بنك انترا هو بنك انترا وحده والبناء الذي يقوم على الرمال ينهار عند هبوب اول ريحَ والصرح الذي يبنى على فساد لا بد أن ينهار من داخله.
الا أن البعض الآخر والذي نعتبره أكثر موضوعية وحيادية والذي تمثل بالخبراء الاقتصاديين والصحافة أكد أن أزمة المصرف الفعلية لم تكن مجرد أزمة مالية اقتصادية بقدر ما كانت خطة سياسية ممنهجة اشترك فيها السياسيين اللبنانيين مع الدول الخارجية لتدمير صاحب المصرف الفلسطيني نظرا لخلفيته ولارتباطه بدعم المقاومة الفلسطينية سيما وان هذا الأخير قد بذل كل ما بوسعه لتعويم المصرف من ماله الخاص لكنه فشل خاصة أن مصرف لبنان رفض مد يد المساعدة له علما أن ميزانية البنك كانت أكثر خمس أضعاف من موازنة الدولة اللبنانية حينها وبيدس ذاك كان حوتا من حيتان المال.
فقد سقط أو أسقط في العام 1966 بنك انترا، بقرار سياسي لتقليم أظافر صعوده المالي المستقل فكان المصرف والمودعين مستهدفين. أما في الأزمة الحالية، فقد تحالفت المنظومة السياسية والمالية معاً، حيث استخدمت المصارف “الحصار المالي” واحتجاز الودائع كدرع بشري لحماية نفسها من الإفلاس المحتم، وللضغط على المودعين للقبول بأمر واقع مجحف يسقط حقوقهم العقدية.
في كلا الحالتين، يتبين أن النسيج المصرفي عند غياب الرقابة القضائية الصارمة يتحول من “مستأمن على أموال الناس” إلى أداة لامتصاص الثروات وتوزيع الخسائر على الطرف الأضعف وهو المودع.
والسؤال الذي عاد ليطرح نفسه بحدة والمخافة المشروعة هي هل ستنهار منظومة المصارف كلياً على غرار انهيار امبراطورية انترا منتصف ستينات القرن الماضي وتتبخر معها الودائع أو تتحول لمجرد أسهم وسندات في شركات لا يعرف أصحابها كيف يستوفونها وتندثر حقوق المودعين و يتبخر جنى العمر او سيتم ايجاد حلول جدية لها؟؟!
في مطلق الاحوال، نعود لنشدد على أن الوديعة المصرفية تظل حقاً شخصياً وعينياً للمودع، وأي تمنع من المصرف عن السداد تحت ذريعة “الأزمة النظامية” هو تحريف للمفاهيم القانونية المستقرة.
إن الحصانة الحقيقية للمودع اليوم لا تأتي من وعود السلطة المالية، بل من التمسك بالقواعد العامة للالتزامات والعقود، وملاحقة أصول المصارف محلياً ودولياً باعتبارها الضمانة العامة والأخيرة للوفاء بهذه الديون.
فيا ايها المودعون اياكم أن ترضخوا للرهان فتعتادوا على الواقع الذي فرض عليكم وتقبلوا أن تنهب جيوبكم وتسرق أموالكم كما قال حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة أن الشعب اللبناني سيتعود فالحقوق لا تضيع عندما يطالب بها لكنها تضيع فعلا في حال الاستسلام والخنوع!!



