لماذا لا تحتاج إسرائيل إلى ذريعة للعدوان على لبنان؟ تحليل في ظل حرب 2026 المستمرة

بقلم غسّان حلواني
منذ الثاني من مارس/آذار 2026، يواصل الجيش الإسرائيلي عدوانه على لبنان في حرب خلّفت حتى الآن أكثر من 4,333 قتيلاً و12,250 جريحاً، ونزوح أكثر من مليون مواطن لبناني عن ديارهم. لكن اللافت في هذا العدوان المتواصل هو الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع مفهوم “الذريعة” — فكثيراً ما تسبق أفعالها أي مبرر منطقي، وكأنها لا تحتاج أصلاً إلى ذريعة لتشن حربها وتوسع احتلالها.
فما الذي يفسر هذه الظاهرة؟ ولماذا تبدو إسرائيل وكأنها فوق الحاجة إلى تبرير عدوانها على لبنان؟
الذريعة: أداة لا غصنًا
في العلاقات الدولية، تظل الذرائع ضرورة سياسية وقانونية لأي عمل عسكري. لكن إسرائيل انتهجت نمطاً مختلفاً في تعاملها مع لبنان. ففي مقابلة تلفزيونية عام 2024، قال نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله آنذاك، إن إسرائيل “لا تحتاج إلى ذريعة لشن حرب” لأنها عدو “خطير” يريد بناء مستوطنات في لبنان. وفي أبريل/نيسان 2026، كرر قاسم —الذي أصبح أميناً عاماً للحزب— الموقف ذاته، مؤكداً أن “التاريخ شاهد على ذلك“.
هذه القراءة ليست مجرد رواية من طرف واحد؛ بل تعكس واقعاً تراكمياً من الغارات والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة على لبنان منذ عقود، والتي لم تتوقف عند حدود الذرائع بقدر ما تجاوزتها إلى أفعال ميدانية تفرض وقائع على الأرض.
شواهد من الميدان: العدوان يسبق المبرر
تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل كثيراً ما تشن هجماتها ثم تبحث عن تبرير لها، وليس العكس. ففي 7 يونيو/حزيران 2026، قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت بعد إعلانها اعتراض مسيّرات قالت إن حزب الله أطلقها. لكن التوقيت والانتقائية يطرحان تساؤلات حول ما إذا كان هذا “الرد” مجرد غطاء لعدوان مخطط له مسبقاً.
ويذهب المحللون إلى أبعد من ذلك. ففي تقرير لمعهد كارنيغي للشرق الأوسط، ورد أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية كانت “تبحث عن ذريعة لاستئناف الحرب” منذ إبرام اتفاق سابق. أي أن الذريعة كانت مطلوبة لتبرير فعل كان مقرراً أصلاً — وهو ما يثبت أن العدوان كان سابقاً للمبرر، وليس العكس.
وفي السياق ذاته، قال الخبير العسكري العميد حسن جوني للجزيرة إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه واشنطن يتضمن بنداً “يمنح إسرائيل حق مواجهة التهديدات الناشئة”، وهي صيغة “تتيح تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في كل الأزمنة وتحت هذا العنوان“. بعبارة أخرى، يُمنح الطرف المعتدي تفويضاً مفتوحاً لتفسير أي حدث على أنه “تهديد ناشئ” يبرر العدوان.
نظرة لبنانية رسمية: من يمنح إسرائيل الذرائع؟
في الداخل اللبناني، أثار الجدل حول الذرائع انقساماً حاداً. ففي 4 أغسطس/آب 2026، قال رئيس الوزراء نواف سلام في منشور على منصة “إكس”: “إن أكبر خدمة قُدِّمت لإسرائيل جاءت من أولئك الذين جرّوا لبنان منفردين إلى حروب دعم عقيمة، منحوا إسرائيل بذلك ذرائع لمهاجمة بلدنا، وانتهاك سيادته، وتدمير مدنه وقراه، وقتل أبنائه، وتهجير مئات الآلاف“.
وفي تصريح سابق له في 19 مارس/آذار 2026، حذّر سلام من أن “ربط لبنان بحسابات إقليمية أكبر منه لا يحميه، بل يضاعف التكلفة عليه ويمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع عدوانها“.
لكن قراءة أخرى ترى أن اتهام “المقاومة” بأنها منحت العدو الذريعة “ينطوي ضمناً على اعتراف بأن إسرائيل كانت تتربص بلبنان وتمتلك أصلاً خططاً عدوانية“. فإذا كانت إسرائيل تمتلك الخطط مسبقاً، فإن الذريعة ليست سوى ستار.
الموقف الدولي: إدانة بلا رادع
على الصعيد الدولي، جاءت المواقف مدانة للعدوان الإسرائيلي لكنها عاجزة عن وقفه. ففي 7 أغسطس/آب 2026، حذّرت جامعة الدول العربية من “نهج إسرائيل في استخدام القوة وتغيير الوضع القائم على الأرض” وانتهاك سيادة لبنان. وفي 31 مايو/أيار 2026، أدانت قطر “استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتوسيع نطاق التوغل البري” ووصفتها بأنها “انتهاك سافر لسيادة الجمهورية اللبنانية“.
أما الأمم المتحدة فكان موقفها أكثر حدة. ففي 22 يوليو/تموز 2026، حذّر خبراء أمميون من أن “الإجراءات العسكرية الإسرائيلية تشكل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية“. وفي 28 يوليو/تموز، اتهم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إسرائيل بارتكاب “انتهاكات واسعة النطاق” قد ترقى إلى جرائم حرب.
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى “وقف فوري لإطلاق النار” وأكد أن “أي تدخل عسكري إضافي سيزيد الوضع سوءاً ويجب تجنبه“. لكن هذه الإدانات، رغم حدتها، لم تترجم إلى إجراءات رادعة تمنع إسرائيل من مواصلة عدوانها دون حاجة إلى ذريعة مقنعة.
لماذا لا تحتاج إسرائيل إلى ذريعة؟
تكشف الوقائع السابقة عن نمط ممنهج: إسرائيل لا تنتظر ذريعة بقدر ما تصنعها، وأحياناً تتجاوزها تماماً. وهذا يعود إلى عدة عوامل:
أولاً: التفوق العسكري المطلق يمنحها هامشاً من الإفلات من العقاب، خصوصاً مع الدعم الأميركي المستمر الذي يقيّد أي رد فعل دولي جاد.
ثانياً: إدراج العدوان على لبنان ضمن سياق “الحرب على الإرهاب” أو “مواجهة المحور الإيراني” يوفر غطاءً سياسياً، وإن كان واهياً، يسمح بتسويق أي عمل عسكري كـ”دفاعي” أو “استباقي“.
ثالثاً: غياب آلية دولية فعالة لمحاسبة إسرائيل — رغم تحذيرات الخبراء الأمميين من جرائم حرب — يجعل الذرائع مسألة شكلية لا أكثر.
رابعاً: كما أشارت تقارير تحليلية، ثمة من يرى في العدوان الإسرائيلي “عدواناً توسعياً صريحاً” ليس هدفه تحييد تهديد عسكري كما تدعي القيادة الإسرائيلية، بل “إعادة رسم الخريطة” وفرض وقائع جديدة. فالذريعة في هذا السياق ليست غاية، بل وسيلة لتغليف مشروع استيطاني-توسعي.
إن مسألة “لماذا لا تحتاج إسرائيل إلى ذريعة” ليست لغزاً معقداً بقدر ما هي انعكاس لواقع دولي يسمح لدولة بقوة إسرائيل بتنفيذ أجنداتها دون رادع حقيقي. فالذرائع — حين توجد — تأتي متأخرة، وحين تنتفي لا يمنع ذلك العدوان من الاستمرار. وما تبقى هو لبنان يدفع الثمن: آلاف القتلى، ومليون نازح، وبنية تحتية مدمرة، وسيادة منتهكة، في حرب لا تحتاج إسرائيل فيها إلى ذريعة لأنها ـ في المحصلة ـ لا تخشى المحاسبة.
ويبقى السؤال المفتوح: كم من الذرائع الإسرائيلية يتطلبها العالم قبل أن ينتقل من الإدانة إلى الفعل؟




