عدنان… عندما كان الصمود يعني بقاء الناس أحياء

جمال حلواني
يستفزني أيلول كل عام.
ليس لأنه يحمل ذكرى واحدة، بل لأن أيامه اختلط فيها العام بالخاص، وتداخل فيها تاريخ بلد كامل مع تاريخ عائلة لم تغادرها الحرب يوماً.
في 16 أيلول 1982، انطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لبيروت. وفي 24 أيلول، اختُطف أخي ورفيقي عدنان حلواني من بيته، ومضى إلى غياب طال أكثر مما تحتمل حياة إنسان. وفي الأيام الأخيرة من ذلك الشهر كان الاحتلال الإسرائيلي ينسحب من بيروت تحت ضربات مقاومة بدأت تستعيد للمدينة بعضاً من حريتها وكرامتها.
وبين هذه التواريخ، يسكن عدنان ذاكرتي.
لكنني، هذه السنة، لا أستعيده لأرثيه.
أستعيده لأنني أنظر إلى الجنوب، إلى أهله المهجّرين، إلى العائلات التي فقدت بيوتها وأرزاقها، وإلى من بقي في القرى المهددة يحمل حاجاته القليلة، مستعداً في كل لحظة لرحلة نزوح جديدة، فأتذكر بيروت المحاصرة عام 1982، وأتذكر معنى آخر للصمود يكاد يضيع منا اليوم.
كان عدنان مناضلاً سياسياً. لكنه فهم باكراً أن السياسة في زمن الحرب لا تُقاس بالشعارات وحدها، وأن مقاومة الاحتلال لا تقتصر على حمل السلاح.
كان هناك شعب ينبغي أن يبقى حياً.
خلال حصار بيروت، حين ضاقت سبل وصول الغذاء والمحروقات، وحين بقي في المدينة كثر من فقرائها ممن لم يستطيعوا الرحيل، كان السؤال شديد البساطة والقسوة: كيف يصمد الناس؟
حُمّل عدنان مسؤولية المساهمة في تنظيم هذا الصمود.
لم تكن المهمة بطولة فردية، ولم يتعامل معها كذلك. كان المطلوب عملاً منظماً: تأمين ما أمكن من الطحين والغذاء والمحروقات والحاجات الأساسية، وتنظيم العلاقة مع الروابط والجمعيات الأهلية والمتطوعين، والوصول بالمساعدة إلى من يحتاجها، بعيداً قدر الإمكان عن الحسابات الضيقة.
كان يعرف أن رغيف الخبز جزء من معركة الصمود، وأن الأسرة التي تجد ما تأكله، والمريض الذي يصل إليه دواؤه، والفقير الذي لا يُترك وحيداً، هم أيضاً جزء من قدرة المدينة على مواجهة الاحتلال.
لم يُسأل المحتاج إلى أي طائفة ينتمي.
ولم تكن المساعدة بطاقة ولاء سياسي.
ولم يكن الفقير مطالباً بإعلان انتمائه لكي يستحق حقه في الغذاء والحياة.
وهنا، ربما، تكمن إحدى أكثر الصور التي أستعيدها اليوم إيلاماً.
من بيروت المحاصرة إلى الجنوب المنكوب
لا أريد أن أقارن بين عام 1982 واليوم. لكل مرحلة ظروفها السياسية والعسكرية والاجتماعية، ولكل حرب سياقها ومسؤولياتها.
لكن الإنسان هو الإنسان.
والنزوح هو النزوح.
والبيت الذي يُدمّر فوق ذكريات أصحابه لا يصبح أقل وجعاً لأن الحرب تغيرت، ولا يصبح الطفل الذي يغادر قريته أقل خوفاً لأن القوى المتحاربة تحمل أسماء مختلفة.
من هنا أستعيد عدنان.
أستعيده وأنا أرى آلاف الجنوبيين وقد تحولت حياتهم إلى انتظار طويل: انتظار توقف الحرب، وانتظار العودة، وانتظار التعويض، وانتظار معرفة ما إذا كان البيت لا يزال قائماً، وما إذا كانت القرية التي سيعودون إليها ستبقى القرية التي عرفوها.
وأتساءل: بعد كل هذه العقود، لماذا يبقى اللبناني في كل حرب وحيداً أمام مصيره؟
كيف يمكن، بعد كل ما مرَّ به هذا البلد، ألا تكون لدينا مؤسسات وطنية قادرة على إدارة النزوح والكوارث بصورة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه؟
وكيف يجوز أن تتحول المساعدة الإنسانية إلى امتداد للمحاصصة، أو وسيلة لبناء الولاءات وشد العصبيات، فيما الإنسان المنكوب لا يحتاج إلى من يسأله عن طائفته أو حزبه، بل إلى دولة ومجتمع يقولان له: أنت مواطن، وحقك علينا أن نحميك؟
القضية ليست مساعدات فقط
مأساة الجنوبيين اليوم أكبر من توزيع حصة غذائية أو تقديم بدل إيواء.
هناك مجتمع يتعرض لتفكيك قسري بفعل الحرب والنزوح وتدمير القرى ومصادر العيش.
هناك مزارعون فقدوا أرضهم ومواسمهم. عائلات خسرت بيوتها. أطفال ابتعدوا عن مدارسهم. كبار في السن اقتُلعوا من الأماكن التي أمضوا فيها أعمارهم. وهناك فقراء لم تكن لديهم أصلاً القدرة على احتمال أعباء الحياة قبل الحرب، فكيف بهم بعد سنوات من النزوح والدمار؟
لهؤلاء جميعاً حقوق، لا مِنّة لأحد عليهم فيها.
ومن هنا تصبح مسؤولية الدولة مركزية، لا لأن إمكاناتها كبيرة، فهي محدودة ومؤسساتها منهكة، بل لأنه لا يجوز أن توجد مرجعية أخرى تحل محلها في إدارة حقوق المواطنين.
الدولة، عبر وزاراتها ومؤسساتها، يجب أن تكون المرجعية. وإلى جانبها تستطيع الأحزاب والقوى السياسية والجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والمتطوعون أن يعملوا، لكن ضمن رؤية وطنية واضحة وشفافة، يكون معيارها الوحيد حاجة الإنسان وحقه.
فالكارثة التي تصيب الجنوب ليست قضية طائفة، ولا قضية حزب، إنها قضية وطنية بإمتياز..
إلى عدنان حيث هو
بعد كل هذه السنوات، لا أعرف مصير أخي.
هذه جملة يصعب على الإنسان أن يكتبها، مهما طال الزمن.
لكنني أعرف شيئاً آخر: أن عدنان لم يغب تماماً ما دام السؤال الذي عاش من أجله قائماً.
ماذا يعني أن يكون الإنسان مناضلاً؟
هل يعني أن يجيد الكلام باسم الشعب، أم أن يكون إلى جانبه عندما يجوع ويخاف ويُهجّر ويفقد بيته؟
هل السياسة سباق على النفوذ، أم مسؤولية تجاه بشر من لحم ودم؟
وهل الوطن مجرد أرض ندافع عنها، أم هو أيضاً الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض، وحقهم في حياة كريمة وآمنة؟
ربما لهذا أستعيد عدنان اليوم.
لا لكي أقول إن الماضي كان مثالياً. لأنه لم يكن كذلك. ولا لكي أبحث في الماضي عن حلول جاهزة للحاضر، بل لأستعيد قيمة أعتقد أننا أحوج ما نكون إليها: إن الانتساب إلى قضية الناس يسبق الانتساب إلى الحزب والطائفة والمحورالاقليمي أو الدولي. وأن المناضل لا يكون كبيراً بمقدار ما يمتلك من سلطة، بل بمقدار ما يتحمل من مسؤولية.. في أيلول هذا العام، أفتقد عدنان أكثر. لكنني لا أريده ذكرى عائلية مغلقة ولا صورة معلقة على جدار الزمن.
أريده سؤالاً مفتوحاً في وجهنا جميعاً:
هل نستطيع، وسط هذا الخراب، أن نستعيد معنى السياسة بوصفها خدمة للإنسان؟
أمام الجنوب المنكوب، نحن بحاجة إلى استعادة هذا المعنى.
لا نحتاج إلى عدنان آخر كي نقلده.
نحتاج إلى استعادة ما مثّله: المسؤولية، والتواضع أمام معاناة الناس، والإيمان بأن الوطن لا يُبنى بالطوائف ولا بالارتهان للخارج، بل بمواطنين متساوين، ودولة مسؤولة، ومجتمع لا يترك أبناءه وحدهم ساعة المحنة.
تحيتي إليك يا عدنان.
بعد أربعة وأربعين عاماً من الغياب، ما زلت حاضراً كلما أصبح السؤال هو الناس.
وما أحوجنا اليوم إلى أن يكون الناس، مرة أخرى، هم القضية.
- عدنان حلواني، عضو المكتب السياسي ,امين سر منطقية بيروت في منظمة العمل الشيوعي في لبنان، ومقرر المجلس السياسي لمدينة بيروت في الحركة الوطنية اللبنانية، خُطف من منزله في رأس النبع بتاريخ 24 أيلول 1982.




