تركيا ما بعد ايران وحرب الأنابيب والممرّات العربية !
علي شندب

انها حروب الأنابيب والطاقة والممرّات المائية التي تجري في منطقتنا ذات عقدة المواصلات الاستراتيجية. فالتاريخ ينبئنا ان الصراع في المنطقة موغل في القدم. وفلسطين بعينها تشكل الجسر الرابط بين قارتي آسيا وافريقيا برّاً واوروبا وما بعدها بحراً. هذا الموقع الاتصالي القاروي كان سبباً في تدافع الامبراطوريات الغابرة، والقوى الكبرى حالياً لإحكام السيطرة على المنطقة، ولعلّ “الممرّ الاقتصادي” من الهند الى اوروبا والولايات المتحدة مروراً بفلسطين، تعبير طازج عن أهمية المنطقة الجيواستراتيجية والدينية والقومية.
وأمام كل محطة للسيطرة، تنتفض مناعة المنطقة الذاتية للدفاع عن نفسها، وهذا ما حاولته عملية “طوفان الأقصى” باستشعارها الخطر الوجودي القادم عبر “ممرّ بايدن” الذي كان سيتوّج بتوقيع السعودية “السلام مع إسرائيل”، ويومها تحدث الامير محمد بن سلمان عن تحسين ظروف حياة الفلسطينيين. لكن تأجّل المشروع بفعل “الطوفان” الذي لم نزل نعيش تداعيات ارتداداته العنيفة والتي تمثّلت في حرب إبادية على غزّة، وسقوط النظام السوري، وتسديد ضربة قوية لحزب الله واغتيال قيادته، واستُتبعت بحرب اميركية اسرائيلية على ايران بحجة منعها من امتلاك قنبلة نووية، وهو ما دفع بنيامين نتنياهو للتفاخر بخرائطه مراراً بأنه يغير وجه الشرق الأوسط.
فالمنطقة التي لم تزل تعيش تداعيات سقوط بغداد عام 2003، لم تحصِ تداعيات الحرب الاسرائيكية على ايران سيّما وأنها لم تضع أوزارها بعد. وفيما يخوض ترامب حربه على ايران بلغة المصالح، يخوضها نتنياهو بلغة الحرب الوجودية، أي بذات اللغة التي تخوضها ايران، ويخوضه حزب الله وفق ما كرّر زعيمه نعيم قاسم. وفي التمييز بين دوافع ترامب ونتنياهو، تجهد ايران لصناعة طوق نجاتها، سيّما بعد صمودها في هذه الحرب بمحطاتها المتقطعة رغم الضربات التي أصابتها.
لعلّ ما يستوقف المرء أمام الحرب الاسرائيكية على ايران، مقارنتها بالحرب الاميركية على العراق، والحرب الناتوية على ليبيا، واللذين انتهيا بسقوط نظاميهما تزامناً مع اعتقال الرئيس العراقي صدّام حسين، واغتيال القائد الليبي معمّر القذّافي، في حين أنّ النظام الايراني صمد وأعاد إنتاج نفسه، ما دفع الادارة الترامبية لتدوير أهدافها من إسقاط النظام الى الانخراط في مفاوضات معه حول المشروع النووي، سيّما بعد الاقتدار الايراني على خوض حرب دفاعية متعدّدة الجبهات لم تكشف تفاصيلها الدقيقة بعد، وربما تتكشّف مع ايران الجديدة المستولدة بعد الحرب الوجودية، والتي يصيغ مضيق هرمز مع التشييع الاستثنائي لخامنئي الأب المطالب بالثأروالانتقام، صفحتها الجديدة وخطوطها الاستراتيجية.
وكشفت “مذكرة التفاهم” الموقعة بين رئيسي أميركا وايران عن نوع من النديّة غير المتناسبة مع موازين القوة، خصوصاً بعد نجاح ايران في ادارة ملف مضيق هرمز الذي أصبح “سلاحاً لا يقل قوّة عن السلاح النووي” بحسب ديمتري ميدفيديف ممثل الرئيس الروسي في تشييع المرشد الايراني الذي أضاف “لدى ايران سلاحاً احتياطياً يتمثل في مضيق باب المندب”، أهمية كلام المتخصّص بالمواقف النووية كلما اقتضى الموقف التساجل نووياً مع الادارة الترامبية، تزامنها مع تطورات ميدانية مفصلية تشهدها اوكرانيا.
مذكرة التفاهم التي قضت بوقف اطلاق النار في كل الجبهات ومنها لبنان، جحّظت نفوذ ايران الاقليمي وانعكست احباطاً داخل المعسكر الاسرائيلي، فكان توقيع “اتفاق الاطار” بين حكومتي لبنان واسرائيل بدفع أميركي محاولة التفافية لتجويف مفاعيل مذكرة التفاهم من نفوذ ايران الاقليمي. وقد بدا سلوك لبنان الرسمي وهو يكرّر معزوفته في التفاوض عن نفسه مجانباً للحصافة والحكمة والاتزان السياسي في مقاربة ملف بهذه الخطورة بعيداً حتى عن قرارات الجامعة العربية والمبادرة العربية للسلام القائمة على “حلّ الدولتين” الذي ترفع السعودية لواءه.
واذا كان بعض لبنان الرسمي، يعيب على حزب الله تدخله خارجيا وانخراطه في جبهة إسناد غزة، ومن ثم في إسناد ايران وهذا أمر مفهوم، فحزب الله هو طرف يمثل نفسه وليس كل اللبنانيين، أما الحكم فيفترض أنه يمثّل كل اللبنانيين وخصوصاً معارضيه، ما يعني أن اندفاعة الحكم نحو خطوة بهذه الخطورة تستوجب حواراً داخلياً استباقياً، يعزّزها، او يعدلها، او يلغيها، سيّما وأن شرعية مطلق حكم تستمد أساساً من شعبه وليس من الخارج. وكان على الحكم الاستفادة من التجربة السورية الطازجة في المفاوضات مع اسرائيل، والتي توقفت بسبب استمرار الاحتلال في استهداف قرى الجنوب السوري على الرغم عدم وجود “تحرشّات” سورية بجيش الاحتلال، ما أدّى لبروز معطيات حول تحضير فصائل وشباب من درعا ومحيطها لعمليات ضد مواقع الاحتلال الاسرائيلي.
صحيح ان المنطقة تعيش هشاشة أمنية مقابل التغوّل الاسرائيلي، لكن هذه الهشاشة تتحول الى قوة عندما تخاض المفاوضات بوصفها أحد أشكال الحرب، بتنسيق أقله بين لبنان وسوريا المهدّد جنوبيهما بالتحوّل الى منطقة اسرائيلية عازلة كمقدمة لضمها للكيان الذي تعهّد ترامب بتوسيعه بما يهدّد الى دول الطوق، البيئة الاقليمية الأمنية برمتها، ما أثار هواجس تركيا التي يحذر قادتها من مواقف اسرائيلية تردّد “أن تركيا هي اليوم التالي لإيران”، الأمر الذي ما استدعى رداً اردوغانيا مفاده “ان الأمن القومي لتركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت، وأن تركيا لن تسمح بأوهام أرض الميعاد”. أهمية كلام اردوغان أنه استبق اللقاء الذي جمعه بترامب خلال قمة “الناتو” في أنقرة. وعلى طاولة القمّة الترامبية الاردوغانية، ولقاء ترامب مع احمد الشرع، وقمة الناتو وقمم ستطرح ملفات المنطقة من العراق الى سوريا ولبنان وايران واسرائيل، وضمناً، إعادة إحياء أنابيب النفط والطاقة وفق هندسة التضاريس الجيواستراتيجية الجديدة.




