الفجر الجديد

القرآن الكريم والليل الكوني والمادة المظلمة


بقلم محمد بسام شوكت كبارة

بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد

بعد أن عرضنا منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني العلمي، ننتقل إلى تطبيق هذا المنهج على إحدى القضايا الكونية التي ما تزال تشغل علماء الفيزياء والفلك، وهي ظاهرة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

ولا يقصد هذا البحث تفسير الآيات القرآنية تفسيرًا علميًا قطعيًا، ولا إخضاع النص القرآني للنظريات المتغيرة، وإنما يهدف إلى فتح باب التدبر في ضوء ما كشفه العلم الحديث، مع بقاء القرآن الكريم هو الأصل والمرجع، وبقاء العلوم البشرية اجتهادات قابلة للتطور.
ومن هنا فإن كل ما يرد في هذه الدراسة يمثل قراءة تدبرية، لا حكمًا نهائيًا في تفسير الآيات.
أولاً: الليل والنهار في القرآن الكريم

قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾
[الإسراء: 12].

أجمع المفسرون على أن الآية تبين تعاقب الليل والنهار وما يترتب عليه من مصالح الإنسان، من السكون والعمل، وحساب الزمن والسنين. إذ يقول السعدي:

“و تفسير السعدي
يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ }- أي: دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
{ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ }- أي: جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً }- أي: مضيئة { لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم.{ وَلِتَعْلَمُوا } بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر { عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم.{ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا }- أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } “

وهذا المعنى صحيح وثابت، غير أن التدبر لا يقف عند حدود بيان الوظيفة الظاهرة للليل والنهار، بل يمتد إلى التساؤل عن السنن الكونية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى، وكيفية انتظامها بهذا الإحكام البديع.

ومن هنا فإن التفسير الموروث يبين المعنى المقصود من الآية، لكنه لا يستنفد جميع آفاق التدبر التي قد يكشفها تطور المعرفة الإنسانية.

ثانياً: هل يميز القرآن بين الليل الأرضي والليل الكوني؟

عند جمع الآيات المتعلقة بالليل والظلمة، يظهر أن السياقات ليست على مرتبة واحدة.

فمنها ما يتحدث بوضوح عن الليل الذي يعيشه الإنسان على سطح الأرض، كتعاقب الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر.

ومنها آيات أخرى يرد فيها وصف السماء نفسها، كما في قوله تعالى:

﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾
[النازعات: 29].

فهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها، مما يفتح باب التدبر في أن المقصود هنا هو ليل السماء، لا مجرد الليل الأرضي.

ولا يعني ذلك الجزم بأن الآية تشير إلى المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة، وإنما يدل على أن القرآن يلفت النظر إلى ظاهرة كونية واسعة، ما زال العلم يكشف عن بعض جوانبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى