الفجر الجديد

تعزيز دور الوالدين في التربية الإعلامية وبناء مفهوم الاستدامةقراءة في محاور كتابي: دور التربية الإعلامية وبناء مفهوم الاستدامة

بقلم: د. ميرفت إبراهيم

في ظلِّ التحولات الرقمية المتسارعة، والانفتاح الإعلامي الواسع الذي يشهده العالم، أصبحت الأسرة أمام تحديات تربوية جديدة تتطلب وعيًا مختلفًا وأدوات أكثر حداثة في التعامل مع الأبناء. فلم تعد التربية مقتصرة على التوجيه المباشر أو التعليم التقليدي، بل أصبحت عملية متكاملة تشمل بناء الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ القيم الإنسانية والوطنية في ظل عالم مفتوح تتداخل فيه الثقافات والمعلومات والتأثيرات الإعلامية.

ومن هنا جاء كتابي «دور التربية الإعلامية وبناء مفهوم الاستدامة» ليؤكد أن التربية الإعلامية لم تعد خيارًا، بل ضرورة مجتمعية ووطنية لبناء أجيال قادرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وعلى استخدام الإعلام والتكنولوجيا بصورة إيجابية تسهم في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.

إن الوالدين يمثلان حجر الأساس في هذه المنظومة، فمهما تطورت المؤسسات التعليمية والإعلامية، تبقى الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل وقيمه وسلوكياته. ولهذا ركّز الكتاب على أهمية تعزيز دور الوالدين في التربية الحديثة، خاصة في العصر الرقمي، الذي أصبح فيه الهاتف الذكي نافذة مفتوحة على العالم بكل ما يحمله من إيجابيات وتحديات.

لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن غياب الرقابة الواعية والحوار الأسري يؤدي إلى ضعف المناعة الفكرية لدى الأبناء، ويجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى السلبي أو المعلومات المضللة أو السلوكيات غير المناسبة. ومن هنا فإن التربية الإعلامية تبدأ من المنزل، عندما يكون الوالدان قادرين على توجيه الأبناء نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتعليمهم كيفية التفكير والتحليل وعدم تصديق كل ما يُنشر أو يُتداول عبر المنصات الرقمية.

ويؤكد كتابي أن التربية الإعلامية ليست منعًا أو تقييدًا، بل هي بناء وعي. فالأبناء اليوم يعيشون في عالم رقمي لا يمكن عزله عنهم، لكن يمكن إعدادهم ليكونوا مستخدمين واعين ومسؤولين. وهذا يتطلب من الوالدين تطوير مهاراتهم الإعلامية والتكنولوجية حتى يستطيعوا مواكبة لغة العصر والتواصل مع أبنائهم بطريقة صحيحة قائمة على الثقة والحوار لا على التخويف والمنع فقط.

ومن أهم المحاور التي تناولها الكتاب، أن الأسرة الواعية تساهم بشكل مباشر في تحقيق مفهوم الاستدامة المجتمعية. فالاستدامة لا تعني البيئة والطاقة فقط، بل تشمل أيضًا استدامة القيم، واستدامة الوعي، واستدامة الهوية الوطنية والثقافية. وعندما ينشأ الطفل في بيئة أسرية متوازنة، تحترم الحوار، وتعزز المسؤولية، وتغرس قيم الانتماء، فإن ذلك ينعكس على استقرار المجتمع ومستقبله.

كما يوضح الكتاب أن الإعلام الحديث أصبح شريكًا رئيسيًا في التربية، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فالمحتوى الذي يشاهده الأبناء يوميًا يؤثر على أفكارهم وسلوكهم ولغتهم وطموحاتهم. ولهذا فإن دور الوالدين لا يقتصر على المراقبة، بل يمتد إلى المشاركة والتوجيه واختيار المحتوى المناسب، مع تشجيع الأبناء على متابعة البرامج الهادفة والمبادرات الثقافية والتعليمية التي تنمّي قدراتهم الفكرية والإبداعية.

وقد حرصتُ في هذا الكتاب على الربط بين التربية الإعلامية ورؤية التنمية المستدامة، لأن بناء الإنسان الواعي هو أساس بناء الأوطان. فكل مجتمع يسعى إلى التقدم يحتاج إلى مواطن يمتلك الفكر النقدي، ويحترم التنوع، ويؤمن بالمسؤولية المجتمعية، ويعرف كيف يستخدم الإعلام والتكنولوجيا لخدمة وطنه لا للإضرار به.

إن دولة قطر، بقيادتها الحكيمة ورؤيتها الوطنية الطموحة، أولت اهتمامًا كبيرًا ببناء الإنسان والاستثمار في التعليم والمعرفة والتكنولوجيا، انطلاقًا من إيمانها بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان الواعي القادر على صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق يأتي دور الأسرة كشريك أساسي في تحقيق هذه الرؤية، من خلال إعداد جيل قادر على التعامل مع المتغيرات الحديثة بثقة ومسؤولية.

ويشير الكتاب أيضًا إلى أهمية القدوة داخل الأسرة، فالأبناء يتأثرون بالسلوك أكثر من الكلمات. عندما يرى الطفل والديه يستخدمان الإعلام بطريقة واعية، ويحترمان الوقت، ويحرصان على القراءة والحوار والتفاعل الإيجابي، فإنه يكتسب هذه السلوكيات بصورة طبيعية. أما إذا غابت القدوة، فإن أي توجيه تربوي يفقد جزءًا كبيرًا من تأثيره.

ومن القضايا المهمة التي تناولها الكتاب كذلك، ضرورة تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية. فالإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية قد يؤدي إلى العزلة وضعف التواصل الأسري وتراجع بعض المهارات الاجتماعية. لذلك فإن الأسرة مطالبة بخلق بيئة صحية تقوم على الحوار والأنشطة المشتركة وتنمية المواهب والاهتمامات الحقيقية لدى الأبناء.كما يركز الكتاب على أهمية الشراكة بين الأسرة والمدرسة والإعلام في بناء جيل واعٍ. فالتربية مسؤولية جماعية، وكل مؤسسة تؤدي دورًا تكامليًا في حماية الأبناء فكريًا وثقافيًا وأخلاقيًا. وعندما تتوحد الرسائل التربوية بين البيت والمدرسة ووسائل الإعلام، يصبح تأثيرها أكثر قوة واستدامة.

وكلُّ ما جاء في هذا الكتاب ينبع من حبِّنا العميق لوطننا الغالي قطر، وولائنا لقيادتنا الرشيدة التي جعلت الإنسان محور التنمية وركيزة المستقبل. فحب الوطن ليس كلمات تُقال، بل مسؤولية ورسالة وعمل يسهم في بناء مجتمع واعٍ ومتماسك يعتز بقيمه وهويته الوطنية.ومن دواعي الفخر والاعتزاز أن هذا الكتاب فاز بجائزة أفضل كتاب في مجال المسؤولية المجتمعية في قطر لعام 2020، وهو تكريم أعتز به لأنه يعكس أهمية الرسالة التربوية والإعلامية التي يحملها الكتاب، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان الواعي القادر على خدمة وطنه ومجتمعه.

إن هدفي من هذا الكتاب ليس فقط تقديم رؤية أكاديمية، بل تقديم رسالة إنسانية ومجتمعية تؤكد أن التربية الواعية هي استثمار حقيقي في المستقبل. فالأمم لا تُبنى بالمباني وحدها، بل تُبنى بالعقول الواعية والقيم الراسخة والأسر المتماسكة.وفي الختام، فإن تعزيز دور الوالدين في التربية الإعلامية يمثل اليوم ضرورة وطنية ومجتمعية في عالم سريع التغير. فالأبناء هم ثروة المستقبل، وحمايتهم فكريًا وثقافيًا مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى كل مؤسسات المجتمع. ومن خلال الوعي والتعاون والتربية الصحيحة، يمكننا أن نبني جيلًا قادرًا على تحقيق الاستدامة الحقيقية، وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا لوطننا وأمتنا.

ويبقى الإيمان بالعلم والمعرفة والتربية الواعية هو الطريق الأهم نحو بناء مجتمع متماسك، يعتز بقيمه، ويحافظ على هويته، ويواكب العصر بثقة ووعي ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى