الفجر الجديد

الجبلان اللذان لم يسقطا

الجبلان اللذان لم يسقطا

بقام مصباح العلي

في مكانٍ ما من الشمال اللبناني، كانت بزبينا تبدو كأنها فكرة أكثر منها قرية.
شيء بين الأسطورة والواقع، بين الحلم والحجر، بين رائحة التراب بعد المطر وصوت الأجراس المتسللة من أعلى التلال.
لم تكن مجرد تجمع بيوت معلّقة على كتف جبل، بل كائناً حيّاً يتنفس عبر السواقي، والحارات الضيقة، وأصوات الناس التي كانت تشبه صلاة جماعية طويلة للحياة.
في تلك الأزمنة البعيدة، كان للضيعة قلب.
القلب ليس ساحة البلدة ولا الكنيسة ولا البيوت الحجرية، بل الناس أنفسهم؛ أولئك البسطاء الذين كانوا يعرفون قيمة التعب، ويقيسون الرجال بصدقهم لا بأموالهم، وبكرامتهم لا بضجيجهم.
الفلاح العائد مع غروب الشمس كان يبدو أكثر هيبة من سياسي كامل، والمرأة التي تحمل حزمة الحطب كانت تشبه الأرض نفسها؛ صلبة، صامتة، وقادرة على الاحتمال.
هناك،
بدأت الحكاية.
كان مصباح وأيوب طفلين يركضان بين البساتين كأن العالم لم يُخلق بعد خارج حدود القرية.
لم يكونا يعرفان شيئاً عن الخرائط الكبرى ولا عن المدن التي تبتلع البشر، لكنهما كانا يعرفان جيداً معنى الحرية حين يركض طفل حافي القدمين قرب ساقية ماء باردة، ومعنى الأمان حين تناديه أمه من بعيد مع اقتراب الليل.
كانا يبدوان متشابهين في الطفولة، لكن الحياة كانت تخبئ لكل منهما جبله الخاص.
مصباح،
كان يحمل قلقاً مبكراً لا يشبه الأطفال.
عيناه لم تكونا تكتفيان بالمشهد، بل تبحثان دائماً عمّا وراءه.
كان يصغي أكثر مما يتكلم، ويحدّق طويلاً في الوجوه، كأنه يحاول أن يفهم سر الحزن البشري المختبئ خلف الضحكات اليومية.
حتى في طفولته، كان يشعر أن العالم أكبر من القرية، لكنه كان يعرف أيضاً أن الإنسان حين يغادر أرضه يفقد شيئاً لا يمكن تعويضه.
ربما لهذا السبب حمل منذ البداية تناقضاً قاسياً:
الرغبة في الرحيل… والخوف من فقدان الجذور.
كبر وهو يرى أن الكلمات قد تكون وطناً بديلاً، فذهب نحو الصحافة كما يذهب المنفي إلى نافذته الأخيرة.
دخل المدن، عرف بيروت، واختبر المهنة التي لا تمنح أصحابها سوى التعب، والسهر، والخذلان المتكرر.
رأى السياسيين وهم يتاجرون بأوجاع الناس، ورأى الحروب الصغيرة التي تأكل الأرواح بصمت، ورأى كيف يتحول الإنسان في المدينة إلى رقم داخل آلة ضخمة لا تتوقف.
ومع ذلك،
بقي يحمل في داخله فتى بزبينا القديم.
كلما تعب، كان يعود إليها بالكلمات، كأنها الملاذ الأخير من خراب العالم.
أما أيوب،
فكان مختلفاً بطريقة أكثر هدوءاً.
لم يحمل قلق المدن ولا نزيف الأسئلة الكبرى، بل حمل طمأنينة تشبه ضوء القرى عند المغيب.
كان يبدو كأنه خُلق ليبقى هناك، قريباً من الناس والأرض والأجراس.
اختار الكهنوت لا هرباً من الحياة، بل محاولة لفهمها.
كان يرى أن الإنسان لا يُشفى بالخبز وحده، بل بالرحمة أيضاً.
عرف وجوه القرويين واحداً واحداً، وحفظ أسماء المتعبين والمنسيين، وصار جزءاً من ذاكرة المكان، مثل شجرة جوز قديمة أو نبع ماء لا يجف.
كان أيوب ابن الضيعة بالمعنى العميق للكلمة.
لا لأنه بقي فيها فقط، بل لأنه بقي وفياً لروحها القديمة؛ تلك الروح التي كانت ترى في الإنسان قيمة لا وظيفة، وفي العلاقات معنى لا مصلحة.
وبينما مضى مصباح نحو المدن والمطارات وصخب الصحافة، بقي أيوب يحرس ما تبقى من هدوء القرية.
لكن كليهما، بطريقة مختلفة، كان يحاول الدفاع عن الشيء نفسه:
المعنى.
غير أن الزمن تغيّر.
شيئاً فشيئاً،
بدأت بزبينا تفقد نفسها.
لم تعد القرية التي يعرفانها.
وصل السخفاء إلى سدة المسؤولية،
أولئك الذين لا علاقة لهم بالأرض إلا كمصدر نفوذ، ولا بالناس إلا كأرقام انتخابية.
دخل التافهون إلى الحياة العامة كما يدخل الغبار إلى بيت قديم مهجور.
تراجع صوت الحكمة أمام الضجيج،
وصارت القيمة تُقاس بالمال والاستعراض لا بالكرامة والمعرفة.
حتى الحارات القديمة فقدت شيئاً من روحها، والسهرات التي كانت عامرة بالبساطة تحولت إلى تجمعات باردة يختلط فيها التصنع بالفراغ.
لم تمت القرية دفعة واحدة،
بل ماتت بالتقسيط.
ماتت حين صار المثقف غريباً وسط أهله،
وحين أصبح الوصولي أكثر نفوذاً من صاحب الأخلاق،
وحين تحولت العلاقات الإنسانية إلى مصالح صغيرة تافهة.
كان مصباح يرى ذلك بألم المنفي الذي يعود ليكتشف أن المكان الذي يحبه يتآكل من الداخل.
أما أيوب، فكان يراه بحزن الراهب الذي يدرك أن الشر لا يأتي دائماً بصوت مرتفع، بل أحياناً يأتي مبتسماً، أنيقاً، ومحمولاً على أكتاف الناس أنفسهم.
ثم جاء الجبل الثاني.
لونا وجورج.
كأن الحياة قررت أن تمنح الحكاية فرصة أخرى كي لا تنتهي.
لونا،
ابنة المدن والغيابات الطويلة، حملت بزبينا داخلها قبل أن تراها.
كانت تعرفها من أحاديث أبيها؛ من وصفه للسواقي، وللبيوت الحجرية، ولرائحة العنب آخر الصيف، وللفلاحين العائدين مع الغروب.
كبرت وهي تشعر أن هناك مكاناً يشبه السر يسكن قلب أبيها، مكاناً كلما ذكره تغير صوته وصارت عيناه أكثر دفئاً.
وحين وصلت إلى القرية للمرة الأولى، لم تشعر أنها غريبة.
بدت كأنها تستعيد ذاكرة ضائعة لا تكتشف مكاناً جديداً.
أما جورج،
فكان ابن القرية الذي يعرف دهاليز الحروف والدروب معاً.
يعرف الطريق إلى بساتين الكرز والإجاص، ويعرف كيف تتحول التلال عند المغيب إلى قصيدة صامتة.
كان يحمل هدوء أبيه أيوب، لكن في داخله فضولاً يشبه ذلك الذي حمله مصباح يوماً.
في نزهاتهما بين الحارات القديمة،
بدت العلاقة بينهما أكثر من صداقة عابرة.
كانت محاولة لترميم شيء انكسر بين جيلين؛
جيل غادر القرية مضطراً،
وجيل يحاول أن يفهم لماذا ظل الآباء يحبون هذا المكان رغم كل ما أصابه من خراب.
كانت لونا تمشي وكأنها تتبع آثار قلب أبيها،
بينما كان جورج يؤدي دور الحارس الأمين لذاكرة لم يعشها كاملة لكنه فهمها بالفطرة.
وهناك،
بين أشجار الكرز والسواقي القديمة،
حدث شيء يشبه المصالحة مع الزمن.
فهمت لونا أن الإنسان لا ينتمي فقط إلى المكان الذي يولد فيه، بل أيضاً إلى المكان الذي يسكن أحلام أبيه وأحزانه.
وفهم جورج أن حماية القرى لا تكون فقط بالحجارة والبيوت، بل بحماية المعنى نفسه من الانهيار.
لكن السؤال بقي معلقاً فوق التلال:
هل تستطيع الذاكرة وحدها أن تنقذ الأمكنة؟
ربما لا.
فالقرى، مثل البشر، تموت حين تفقد روحها.
وحين يصبح التافهون قادة للمشهد، يتحول كل شيء إلى نسخة رديئة عن نفسه؛
السياسة، الثقافة، العلاقات، وحتى الحب.
ومع ذلك،
ثمة أشياء لا تسقط بالكامل.
ثمة جبلان بقيا واقفين رغم التعب:
جبل الصداقة القديمة بين مصباح وأيوب،
وجبل الذاكرة الجديدة بين لونا وجورج.
ولهذا،
ربما لا يكون خلاص الأمكنة في السياسة ولا في البلديات ولا في الشعارات الكبيرة،
بل في قدرة بعض البشر على حمل النار القديمة جيلاً بعد جيل،
كي لا تنطفئ القرية بالكامل،
وكي يبقى هناك دائماً من يتذكر أن بزبينا لم تكن مجرد قرية على تلة،
بل معنى للحياة نفسها
قبل أن يحتلها الضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى