الفجر الجديد

بين حرب الامس وصراع اليوم

.بين حرب الامس وصراع اليوم

بقلم الخبير د. محمد سلطان
في ثمانينيات القرن الماضي، خاض العراق حربًا طويلة مع إيران استمرت ثماني سنوات (1980–1988)، عُرفت بأنها واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين. خلال تلك الفترة، اعتُبر العراق بمثابة خط الدفاع الأول عن دول الخليج العربي، التي رأت في التمدد الإيراني تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها. وقدمت بعض هذه الدول دعمًا سياسيًا وماليًا لبغداد في مواجهة طهران.
لكن هذا التوازن لم يستمر طويلًا. فبعد انتهاء الحرب، دخل العراق في أزمة اقتصادية خانقة، ما دفعه إلى اتخاذ قرار غزو الكويت عام 1990، وهو ما شكل نقطة تحول حاسمة. عندها انقلبت دول الخليج على النظام العراقي السابق، واصطفّت إلى جانب تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت. ومنذ تلك اللحظة، بدأ مسار جديد من التوتر والعداء بين العراق وبعض جيرانه الخليجيين.
اليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فإيران، التي كانت في موقع المواجهة مع العراق سابقًا، أصبحت لاعبًا إقليميًا مؤثرًا في عدة ساحات، من بينها العراق وسوريا ولبنان. وفي المقابل، تنظر بعض دول الخليج إلى هذا النفوذ على أنه تهديد مباشر، ما يعيد إنتاج حالة من التوتر، ولكن بأدوات مختلفة عن الماضي.
ما نراه بين اليوم والغد هو استمرار التوتر فبل واثناء وبعد المواجهة المباشرة حيث تبقى المواجهة في إطار الصراعات غير المباشرة، عبر النفوذ السياسي أو الحروب بالوكالة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
رغم التصعيد المحدود والمؤقت و تشهد المنطقة اليوم مواجهات عسكرية محدودة أو ضربات متبادلة، لكنها تبقى تحت سقف معين يمنع توسعها إلى حرب إقليمية واسعة.
او انفجار إقليمي واسع وهو السيناريو الأخطر، حيث قد تؤدي سلسلة من الأحداث المتراكمة إلى مواجهة مباشرة بين إيران وبعض دول الخليج مباشرة وانسحاب الوكيل ( الاسرائلي والاميركي ) من المواجهة المباشرة
ورغم وجود اتجاه نحو التسويات السياسية هذا في حال توفر إرادة دولية وإقليمية، قد يتم احتواء التوتر عبر اتفاقات أمنية أو تفاهمات تقلل من حدة الصراع، كما شهدنا في بعض مراحل التقارب الأخيرة.
في المحصلة، تعكس هذه التحولات طبيعة السياسة في الشرق الأوسط، حيث لا توجد تحالفات دائمة أو عداوات ثابتة، بل مصالح متغيرة تحكمها الظروف الإقليمية والدولية. ويبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة خلافاتها دون الانزلاق إلى صراع مفتوح اكثر دموية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى