الفجر الجديد

العنف مرآة المجتمع

خاص الفجر الجديد
كتب غسّان حلواني
“العنف كمرآة المجتمع: قراءة في أسباب التفلت الأمني”
هذه مقالة بحثية سببها عبارة :”اخي المشكلة ليست بالرخص ولا بالزجاج المشكلة اعمق من هيك والازعر مش ناطر رخصة”. بهذه العبارة علّق الزميل الصحافي الدكتور “محمد سلطان” على منشوري المناهض للتفلت الأمني و العنف على صفحتي في الفايس بووك. للأمانة، دفعني هذا الجواب الى البحث لساعات في مكتبتي وعبر الإنترنت، لأسقاط ما قاله علماء علوم الاجتماع و السياسة و النفس، على ما يحصل في البلد من تفلت أمني و عنف غير مبرر.
أرى، أن التفلت الأمني والعنف ظواهر معقدة، للوقوف على حقيقتها لا بد من دراستها من زوايا متعددة.
في كتابه “الجمهورية” (The Republic)، ناقش أفلاطون فكرة العدالة والمجتمع المثالي. ووجد (أن العنف غالبًا ما ينشأ من الجهل وعدم التنظيم في المجتمع) و في رأيه، العنف هو نتيجة لعدم التوازن في النفس البشرية (بين العقل والروح والرغبة) وفي المجتمع (بين الطبقات).
وفي “آراء أهل المدينة الفاضلة”، رأى الفارابي أن العنف هو نتيجة لغياب العدالة والتنظيم في المجتمع. وقال: ” اعتقد أن العنف ينشأ من الجهل وعدم وجود قيادة حكيمة”. في حين ذهب أبن رشد في كتابه “تهافت التهافت” الى القول “أن العنف ينشأ من الجهل وعدم فهم القوانين العادلة”.
و في كتابه “المقدمة”، قدم ابن خلدون تحليلًا اجتماعيًا وسياسيًا للعنف. وقال:” اعتقد أن العنف غالبًا ما ينشأ من الصراعات بين الجماعات (العصبية) ومن انهيار الدولة”.و يرى ابن خلدون أن العنف هو “نتيجة طبيعية للصراعات الاجتماعية والسياسية، خاصة عندما تضعف الدولة وتفقد سيطرتها”.
و بالخلاصة، ربط أفلاطون العنف بالجهل وعدم التوازن في النفس والمجتمع، ودعا إلى حكم الفلاسفة. في حين رأى الفارابي أن العنف نتيجة لغياب القيادة الحكيمة، ودعا إلى وجود حاكم فيلسوف. و أكّد أبن رشد على دور العقل والقوانين العادلة في منع العنف.ابن خلدون من جهته حلل العنف من منظور اجتماعي وسياسي، ورأى أن الصراعات وضعف الدولة هي أسباب رئيسية للعنف.
و لعلماء العلوم الإنسانية المحدثين كذلك آرائهم في العنف، فعالم الاجتماع إميل دوركهايم (Émile Durkheim): يرى أن العنف يمكن أن يكون نتيجة لـ “اللامعيارية” (Anomie)، وهي حالة من انعدام القواعد أو المعايير الاجتماعية بسبب التغيرات السريعة في المجتمع. عندما تتفكك البنى الاجتماعية التقليدية، يفقد الأفراد الإحساس بالانتماء والهدف، مما قد يؤدي إلى سلوكيات عنيفة. هذا المفهوم يساعدنا على فهم أسباب العديد من المشكلات الاجتماعية، مثل الجريمة والعنف والانتحار. و للتوضيح اللامعيارية (Anomie) هي مفهوم مركزي في علم الاجتماع، والمصطلح مشتق من الكلمة اليونانية “anomia”، والتي تعني “انعدام القانون” أو “انعدام النظام”. في علم الاجتماع، تشير اللامعيارية إلى حالة من الاضطراب أو التفكك الاجتماعي تحدث عندما تضعف أو تختفي المعايير والقيم التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع. كما تؤدي التغيرات الاجتماعية السريعة إلى زيادة العنف والجريمة.

و من وجهة نظر ماكس فيبر (Max Weber)، فإنه يؤكّدعلى دور الدولة كجهة تحتكر العنف الشرعي. وفقًا له، العنف يصبح مشكلة عندما تخرج عن سيطرة الدولة أو عندما تفشل الدولة في توفير الأمن.
ما قاله: أكد فيبر على دور الدولة كجهة تحتكر العنف الشرعي. وفقًا له، العنف يصبح مشكلة عندما تخرج عن سيطرة الدولة أو عندما تفشل الدولة في توفير الأمن. لقد قدم “فيبر”مفهوم “احتكار العنف الشرعي” لشرح كيف تحافظ الدولة على النظام من خلال السيطرة على العنف.
من منظور علم السياسة، ينزع توماس هوبز (Thomas Hobbes)في كتابه “اللفياثان” (Leviathan)، الى القول، بأن حياة الإنسان في حالة الطبيعة تكون “وحشية، فقيرة، منعزلة، قذرة، وقصيرة” بسبب العنف المستمر. لذلك، يحتاج البشر إلى دولة قوية لفرض النظام ومنع العنف.
في كتاب “عن العنف ” (On Violence)، ل هانا أرندت (Hannah Arendt)
ميزت أرندت بين القوة والعنف، مؤكدة أن العنف هو أداة تستخدم عندما تفشل القوة السياسية، بمعنى عندما يصل التواصل الإيجابي بين فردين الى أفق مسدود.
و هناك أيضا ً ما قاله فرانتز فانون (Frantz Fanon) في كتابه “معذبو الأرض” (The Wretched of the Earth)، جادل فانون بأن العنف يمكن أن يكون أداة للتحرر حيث يستخدمه المضطهدون لمقاومة الظلم ، ويمكن اسقاط رأيه على شعور الإضطهاد الذي يتولد عند طرف ما، خصوصاً إذا ما شُتم او أحسّ بالدونية.
و بالوصول الى علم النفس، أحد أكبر علماء النفس سيغموند فرويد (Sigmund Freud) قال أن العنف جزء من الطبيعة البشرية، حيث ينبع من الغرائز العدوانية الكامنة في “الهو” (Id). وفقًا له، والمجتمع يلعب دورًا في كبح هذه الغرائز من خلال القواعد والأعراف. وفقًا لفرويد، العنف ليس مجرد سلوك خارجي، بل هو تعبير عن صراعات داخلية ودوافع unconscious (لا واعية) تنبع من بنية النفس البشرية. و من وجهة نظره ايضاً يطرح نظرية جدلية قد لا يوافق عليها الكثيرون و هي أنّ العنف هو تعبير عن غريزة الموت (Thanatos)، التي يمكن أن تتوجه نحو الخارج (مثل العدوانية تجاه الآخرين) أو نحو الداخل (مثل الاكتئاب أو إيذاء الذات).و بالتعمق بما قاله فرويد فإنّ الأنا العليا (Superego) التي تمثل الضمير الأخلاقي والقيم الاجتماعية التي يتعلمها الفرد من المجتمع، تكون عند كثير من الناس في مستواها الأدنى حدّ الإنعدام عند الغضب. فغالبا ً ما يكون العنف نتيجة لصراعات داخلية بين الهو والأنا العليا. عندما تفشل الأنا في التوفيق بين هذه المطالب المتضاربة، قد يظهر العنف كوسيلة لتخفيف التوتر النفسي.
ويقول عالم النفس الشهير ألبرت باندورا (Albert Bandura) في نظريته عن “التعلم الاجتماعي” (Social Learning Theory)، أن الأفراد يتعلمون العنف من خلال الملاحظة والتقليد، خاصة إذا كان العنف يُكافأ أو يُعاقب بشكل انتقائي ، وأوضح كيف يمكن أن يتعلم الأفراد السلوكيات العنيفة من البيئة المحيطة. نظرة سريعة واحدة لا تحتاج الى إجتهاد، تشير الى البيئات التي يدور في فلكها و في فلك حزام بؤسها العنف.
و بحسب ما قاله إيريك فروم (Erich Fromm) في كتابه “تشريح التدميرية البشرية” (The Anatomy of Human Destructiveness)، فقد ميز بين العنف الدفاعي (رد فعل على تهديد) والعنف العدواني (نزعة مدمرة غير عقلانية). كما أكد على دور العوامل الاجتماعية والثقافية في تشكيل السلوك العنيف.
و بتحليل مجتمعنا الرازح تحت الكبت (Repression) للرغبات العدوانية أو الجنسية يمكن أن يؤدي إلى تراكم الطاقة النفسية، والتي قد تنفجر في شكل عنف إذا لم يتم تفريغها بشكل صحي (مثل الفن أو الرياضة).
من النتائج المخيفة لما يحص في مجتمعنا من عنف و تفلّت للقيم، هو ما يصيب الأطفال ، فذاكرة الطفل كالإسفنج تمتص المشاهدات و التعليقات والحوادث من حولها، التجارب المبكرة في الطفولة، يمكن أن تؤثر على ميل الفرد نحو العنف في مرحلة البلوغ. على سبيل المثال، الإفراط في العقاب أو الإهمال في الطفولة قد يؤدي إلى تكوين شخصية عدوانية. فعن أي جيل مستقبلي يمكننا ان نتحدث و هو ربيب هذه الظروف ؟
لطالما كان العنف من وجهة نظري هو الوجه الآخر للجهل، و يمكن أن يضاف الى أسبابه بعض المكونات، مثل عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية و التفاوت الكبير في الثروة والفرص بين الفئات الاجتماعية يؤدي إلى شعور بالإحباط والظلم، مما قد يدفع بعض الأفراد أو الجماعات إلى العنف. و كذلك تفكك البنية الاجتماعية و ضعف الروابط الأسرية والمجتمعية، وفقدان القيم المشتركة، يؤدي إلى انعدام الانتماء وزيادة السلوكيات العنيفة. خاصة في غياب آليات للحوار والتعايش. و هناك التهميش والإقصاء كإهمال بعض المناطق أو الفئات الاجتماعية في التنمية والخدمات العامة يخلق بيئة خصبة للعنف والتطرف.
و من المؤكد أنّ ضعف الدولة وفشل المؤسسات فيها في فرض القانون وتوفير الخدمات الأمنية الأساسية يؤدي إلى فراغ أمني وانتشار العنف. ولا يمكن إستثناء إنتشارالفساد السياسي و تغطية المرتكبين و عد المحاسبة أو المحاسبة الشكلية، من إضعف ثقة المواطنين في الدولة مما يخلق بيئة من عدم الاستقرار.
كذلك إنّ غياب العدالة الانتقالية و عدم معالجة انتهاكات الماضي أو إفلات الجناة من العقاب يزيد من الشعور بالظلم ويدفع نحو العنف. و يا حبذا لو يكون هناك عدالة بمفعول رجعي .
قطعا ً ، هذا ليس كل شيء عن العنف و أسبابه.إذ يمكن تسطير مجلدات في هذا الموضوع، فالإحباط والغضب و الشعور المستمر بالإحباط بسبب الظروف المعيشية الصعبة أو الحرمان يمكن أن يتحول إلى غضب وعنف.
لا اعتقد انّ إنسانا ً سويّا عاقلا ً قد يقدم على إرتكاب فعل القتل بلا سبب موجب، فإن فعل فهو من المؤكّد أنه يعاني من الاضطرابات النفسية: بعض الاضطرابات النفسية المعادية للمجتمع.
إنّ هذه العوامل لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل بشكل معقد. على سبيل المثال، قد يؤدي الفقر (عامل اجتماعي) إلى إحباط (عامل نفسي)، مما يدفع الأفراد إلى تبني العنف كوسيلة للتعبير أو تحقيق العدالة، خاصة في ظل غياب الدولة (عامل سياسي). لذلك، فإن فهم التفلت الأمني والعنف يتطلب مقاربة شاملة تعالج الجذور الاجتماعية والسياسية والنفسية معًا.
التفلت الأمني والعنف الفردي لهما أسباب مباشرة يمكن أن تكون مرتبطة بظروف آنية أو عوامل ملموسة تؤدي إلى تفاقم هذه الظواهر. و لكنّ جميعها يرتبط بمعيار أعلى و هو الجهل، أو الأصح طرابلسيا ً”الهبل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى