الفجر الجديدرأي خاص

المسيّرات التركية: من حلم محلّي إلى قوة تكنولوجية عالمية

بقلم وسيم فؤاد الأدهمي

خلال أقل من عقدين، نجحت تركيا في تحقيق واحدة من أبرز القفزات التكنولوجية في الصناعات الدفاعية الحديثة، متحولة من دولة تعتمد على الاستيراد العسكري إلى لاعب مؤثر في سوق الطائرات المسيّرة عالمياً. وفي قلب هذا التحول برزت شركة «بايكار» (Baykar) بوصفها أحد أهم النماذج الصناعية والتكنولوجية التي أعادت رسم صورة الصناعة الدفاعية التركية على المستوى الدولي.

لم يعد الحديث عن الطائرات المسيّرة التركية يقتصر على كونها أدوات عسكرية متطورة، بل أصبح مرتبطاً بمنظومة متكاملة من البحث العلمي والهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والتصنيع المحلي. وقد تمكنت «بايكار» من تطوير منصات متنوعة أثبتت حضورها في الأسواق العالمية، ما جعلها واحدة من أكثر الشركات تأثيراً في قطاع الطائرات غير المأهولة.

وفي إطار هذا التطور المتسارع، كشفت الشركة مؤخراً عن طائرتها الجديدة K2 Kamikaze UAV، التي تمثل جيلاً جديداً من المسيّرات بعيدة المدى. ووفق المواصفات المنشورة رسمياً، تتمتع الطائرة بمدى يتجاوز 2000 كيلومتر، وقدرة تحليق تزيد على 13 ساعة، مع حمولة قتالية تصل إلى أكثر من 200 كيلوغرام، إضافة إلى أنظمة اتصال متقدمة وقدرات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتشغيل الجماعي ضمن أسراب من الطائرات المسيّرة. كما أشارت الشركة إلى نجاح اختبارات الطيران الجماعي الذاتي للطائرة باستخدام تقنيات التنسيق والتشكيل الذكي بين عدة منصات جوية.

ولا تكمن أهمية هذه المشاريع في الجانب العسكري فقط، بل في قدرتها على دفع عجلة الابتكار التكنولوجي. فالتقنيات المرتبطة بالملاحة الذاتية، ومعالجة البيانات، والرؤية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، تشكل اليوم جزءاً من الصناعات المستقبلية التي تتنافس عليها الدول الكبرى.

وتعكس الأرقام حجم النجاح الذي حققته الشركة خلال السنوات الأخيرة. فقد أعلنت «بايكار» أن صادراتها بلغت 2.2 مليار دولار خلال عام 2025، مع اعتمادها بشكل كبير على الأسواق الخارجية، ما جعلها تتصدر سوق تصدير الطائرات القتالية غير المأهولة عالمياً للعام الثالث على التوالي. ويُنظر إلى هذا الإنجاز باعتباره مؤشراً على نجاح نموذج صناعي قائم على البحث والتطوير والاستثمار طويل الأمد في التكنولوجيا الوطنية.

كما أن الاهتمام الدولي المتزايد بالتعاون مع الشركة يعكس مكانتها المتنامية في هذا القطاع. فقد شهدت الفترة الأخيرة شراكات ومشاريع مشتركة مع شركات أوروبية كبرى، في ظل توقعات بنمو سوق الطائرات غير المأهولة بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع التحولات التي يشهدها العالم في مجالات الدفاع والأنظمة الذاتية.

إن تجربة «بايكار» تقدم مثالاً على كيفية تحويل الاستثمار في المعرفة والهندسة إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية مؤثرة. وبينما تتسارع المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة، تبدو تركيا اليوم من بين الدول التي استطاعت أن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً في هذا السباق، مستندة إلى شركات وطنية نجحت في الجمع بين الابتكار والرؤية الاستراتيجية والطموح الصناعي.

وفي عالم تتغير فيه طبيعة التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، فإن قصة «بايكار» لم تعد مجرد قصة شركة دفاعية، بل أصبحت نموذجاً لصعود صناعة محلية استطاعت أن تتحول إلى علامة عالمية تحمل اسم تركيا إلى أسواق وقارات متعددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى