مطار رينيه معوض في الشمال… أثرٌ بعد عين

مطار رينيه معوض في الشمال… أثرٌ بعد عين
مصباح العلي
يتشابه الجنوب التركي مع الشمال اللبناني في الجغرافيا والتاريخ، وفي طبيعة المجتمع أيضاً؛ بيئة ريفية متداخلة مع أقليات وإثنيات دينية، تتكئ على مدن عريقة غرقت في التاريخ وتحولت إلى نماذج حية لفكرة الـCosmopolitan بالمعنى الاستراتيجي والثقافي معاً.
هكذا تبدو طرابلس كما أنطاكية، وهكذا يشبه إقليم هاتاي محافظة الشمال اللبناني.
فلواء الإسكندرون، الذي سلخته سلطة الانتداب الفرنسي وأهدته إلى مصطفى كمال أتاتورك في سنواته الأخيرة، يحمل في كينونته السياسية شيئاً من صورة انسلاخ طرابلس ومحيطها عن عمقها السوري والعربي، وإلحاقها بمشروع “لبنان الكبير” وفق الرؤية الفرنسية آنذاك.
في أنطاكية، تتجاور الديانات السماوية على ضفاف نهر العاصي الذي يخترق المدينة، في مشهد يشبه إلى حد بعيد صورة طرابلس وعلاقتها بنهر أبو علي. وعلى بعد كيلومترات قليلة، وسط السهل الزراعي، يقع مطار هاتاي الداخلي، الذي لعب دوراً محورياً في تنمية الإقليم اقتصادياً وسياحياً وزراعياً وصناعياً، حتى تحول إلى شريان حياة حقيقي للمنطقة.
أما مطار رينيه معوض في القليعات، فيبدو اليوم نموذجاً صارخاً للعجز اللبناني المزمن، حتى بات أشبه بأثر بعد عين.
الأسباب كثيرة، لكنها تبدأ من غياب القرار السياسي.
هذا القرار لم يكن متاحاً في الماضي، ولا يبدو متاحاً في الحاضر، ولا توحي المؤشرات بأنه سيكون ممكناً في المستقبل القريب. فالدولة التي فقدت القدرة على التخطيط الاستراتيجي، تحوّلت إلى كيان يعيش على إدارة الأزمات لا صناعة المشاريع.
في لبنان اليوم، تبدو الطموحات الرسمية متواضعة إلى حد البؤس؛ إعادة إنتاج السياسات نفسها، والوجوه نفسها، والعقليات نفسها التي حكمت البلاد منذ خمسين أو مئة عام، في وقت يتغير فيه العالم من حولنا بسرعة هائلة.
الأخطر من ذلك، أن التحولات الإقليمية الكبرى قد تعيد رسم وظيفة لبنان ودوره بالكامل. فمشاريع الممرات الاقتصادية الجديدة، من الخليج العربي نحو أوروبا عبر تركيا، قد تجعل لبنان خارج خرائط العبور والتجارة إذا لم يواكب المتغيرات. وعندها، قد يصبح السؤال أكثر قسوة: هل سيبقى هناك حاجة فعلية لمطار في الشمال إذا تحولت المنطقة كلها إلى شبكة نقل بديلة لا تمر بلبنان؟
أما إذا انطلقت يوماً “صفارة السلام” مع إسرائيل وفق التوازنات المطروحة إقليمياً، فإن المخاوف اللبنانية تتجاوز السياسة إلى الكيان نفسه، وسط خشية متزايدة من مشروع يسعى إلى إلغاء لبنان كفكرة ودور ورسالة، وتحويله إلى مجرد هامش جغرافي فاقد للتأثير.
ورغم كل هذه العوامل الكبرى، تبقى المعضلة اللبنانية الأكثر إيلاماً هي هذا النكد السياسي المزمن، الذي يحرم الناس أبسط حقوقهم: الراحة، والأمان، والاستقرار.
هكذا يبقى مطار القليعات معلقاً بين الجغرافيا والتاريخ، بين الفرصة الضائعة والإرادة الغائبة… شاهداً على بلد يمتلك كل مقومات الحياة، لكنه يعجز حتى الآن عن اتخاذ قرار بالحياة.




