الفجر الجديد

الأول من أيار… ذاكرة المعنى وعبئ السؤال

الأول من أيار… ذاكرة المعنى وعبء السؤال
مصباح العلي
الأول من أيار ليس يوماً عابراً،
بل لحظة تتكثّف فيها الذاكرة، كأن الزمن يتوقف ليعيد طرح سؤاله القديم: ماذا بقي من المعنى؟
رايات وأعلام ووجوه كانت تملأ الشوارع…
ليس بوصفها حشوداً، بل كذواتٍ تبحث عن معنى وجودها في العالم.
في ساحة التل، لم تكن السياسة مجرد موقف،
بل كانت شكلاً من أشكال الإيمان،
وكان الانتماء أقرب إلى قدرٍ يُعاش لا خيارٍ يُنتقى.
جدي، المناضل أسعد،
ببدلته الجوخ وربطة عنقه الحمراء،
لم يكن يحتفل بالأول من أيار،
بل كان يقف فيه كما يقف الإنسان أمام مرآته الأخلاقية.
ذلك اليوم لم يكن عيداً، بل امتحاناً للوفاء:
هل ما زلنا على العهد؟
وفي اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني،
كنّا نظن أن العالم قابلٌ للإصلاح،
أن العدالة ليست فكرة مؤجلة، بل مشروعاً ممكناً.
ضحكاتنا لم تكن مجرد فرح،
بل كانت مقاومة مبكرة لثقل الواقع.
من ساحة التل إلى نقابة المعلمين،
ومنها إلى الرابطة الثقافية،
كانت الكلمات تُقال لا لتُسمع فقط،
بل لتُغيّر.
وكان صوت رشيد جمالي
أشبه بنداءٍ يتجاوز اللحظة،
كأنه يقول إن اللغة، حين تصدق، تصبح فعلاً.
كان الحاضرون ينتمون إلى فئات مختلفة:
طلاب، عمّال، أطباء، أساتذة…
لكن ما كان يجمعهم لم يكن مهناً،
بل قناعة بأن الإنسان لا يُختزل بوظيفته،
بل بما يدافع عنه.
ثم تغيّر الزمن.
تراكمت الخيبات،
وتسلّلت الهزائم إلى التفاصيل الصغيرة.
لم نعد أولئك الذين كناهم،
لكن السؤال بقي:
هل تغيّر العالم… أم نحن الذين تعبنا؟
سينما كولورادو
ليست مجرد مكانٍ غاب،
بل شاهدٌ على زمنٍ كان يظن نفسه دائماً.
كل ما يزول يطرح سؤالاً قاسياً:
هل كانت الأشياء حقيقية، أم أننا نحن من منحها معناها؟
طرابلس تغيّرت…
بل انحدرت في مسارٍ يشبه فقدان المعنى.
مدينة كانت تضخّ السياسة والفكر،
صارت تبحث عن نفسها في مرآة مكسورة.
ومع ذلك،
يبقى الارتباط بها عصيّاً على التفسير.
ليس لأنها مدينة مثالية،
بل لأنها جزء من سؤالٍ لم يُحسم بعد.
ما بيني وبينها…
ليس علاقة انتماء بسيطة،
بل توتر دائم بين ما كانت عليه… وما آلت إليه.
حبٌّ لا يستقر،
وذاكرة ترفض أن تصبح ماضياً.
الأول من أيار، إذن،
ليس عيداً.
إنه لحظة وعي:
أن العدالة ليست ما تحقق،
بل ما نصرّ على طلبه رغم كل شيء.
وفي النهاية،
قد لا ننجح في تغيير العالم كما أردنا،
لكن يكفي أن نرفض أن نتصالح مع قسوته.
أما أنا…
فأبقى مع طرابلس،
لا لأنني وجدت فيها الطمأنينة،
بل لأنني لم أجد خارجها ما يحرّرني منها.
إنها…
قصة حب مضطربة،
بين إنسانٍ يبحث عن معنى،
ومدينةٍ فقدت بعضاً منه،
ولا تزال تنتظر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى