لبنان بين مصالح الخارج وحق الناس بالدولة والحياة الكريمة

بقلم: أحمد خالد يافاوي
بيروت – الثلاثاء ٢٨ نيسان 2026
في لبنان، لم يعد المواطن يهتم كثيرًا بمن يعلن النصر ومن يرفع الشعارات، لأن همومه اليومية أصبحت أكبر من كل الخطابات السياسية. اللبناني اليوم يستيقظ وهو يسأل: هل هناك كهرباء؟ هل أستطيع الوصول إلى عملي؟ هل راتبي يكفيني حتى آخر الشهر؟ وهل مستقبل أولادي سيكون هنا أم في الخارج؟ هذه الأسئلة هي الحقيقة التي يعيشها الناس، فيما تستمر القوى السياسية المرتبطة بمصالح الخارج أكثر من مصالح الداخل.
فعندما تُطلق النار أو القذائف في سماء بيروت تحت عنوان الاحتفال وإعلان النصر، لا يشعر المواطن العادي بالفخر بقدر ما يشعر بالقلق. فالعاصمة دفعت أثمانًا باهظة من الحروب والانقسامات، وأهلها لا يريدون العودة إلى لغة السلاح وكل ما يريده الناس هو العيش بمدينتهم بأمن وكرامة.
المشكلة أن كثيرًا من السياسيين ما زالوا يتحدثون بلغة الماضي، فيما الناس يعيشون مأساة الحاضر. صاحب المتجر يريد زبائن، الموظف يريد راتبًا يكفيه، الطالب يريد جامعة وفرصة عمل. لذلك لم تعد الشعارات تكفي، لأن الناس باتت تقيس الأمور بمصالحها الحقيقية لا بخطابات الحماسة والانقسام.
في الوقت نفسه، يشعر كثير من اللبنانيين بأن دولتهم غائبة. مؤسسات ضعيفة، خدمات متراجعة، واستثمار هارب، فيما البلد عالق بين تجاذبات إقليمية وحسابات لا تشبه وجع الناس اليومي.
أما على المستوى السياسي، فالناس لم تعد تبحث عن زعيم يرفع الصوت فقط، بل عن قيادة تحمي مصالحهم وتعيد حضور الدولة. يريدون من يدافع عن الاقتصاد، عن الأمن، وعن صورة لبنان في العالم العربي والدولي. الناس تنتظر منكم الأفعال لا الأقوال، لأنكم جميعًا في هذه المرحلة أثبتم ضعفًا وفشلًا وعجزًا في معركة الدفاع عن لبنان وعن بيروت خصوصًا. فأين اليوم الرؤساء، والوزراء، والنواب، والقضاة، والمحامون، والأساتذة الجامعيون، والمفتون، والبطاركة، والمطارنة، والمشايخ، ورجال الدين، والأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والمدارس، والجامعات، والمؤسسات الاقتصادية، والمدراء العامون، والتجار، والعمال، وسائر أهل الرأي والمسؤولية؟ لقد صمت كثيرون، وانهزم آخرون، وتركتم شأن الوطن لقوى خارجية لا ترى فيه إلا مصالحها. ومن لا يحفظ ثقة الناس ولا يصون كرامة الوطن، لا يستحق لقبًا ولا موقعًا ولا استمرارًا في القيادة. الزعامة اليوم لم تعد لقبًا، بل قدرة على الإنجاز وحل الأزمات. وعلى كل من تولّى مسؤولية، أو نال ثقة الناس، أن يطرح الثقة بنفسه من قبل أن ينزعها عنه الناس، وأن يتحمل واجباته كاملة أمام الشعب والتاريخ.




