رأي خاص

الصحافة لن تموت


بقلم: باسل هيثم كبارة

نعيش اليوم في عالم تتصاعد فيه مظاهر العدوان بشكل لافت ومقلق، حيث باتت صور العنف والجريمة والسلوكيات العدوانية أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية، مقارنة بما عرفته المجتمعات في عصور سابقة. وإذا ما قارنا واقعنا الحالي بما كان عليه الحال عند الأجيال السابقة من الآباء والأجداد، نلاحظ أن درجة التوتر الاجتماعي والتعرض المستمر لمشاهد العنف قد ارتفعت بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يعكس تحولات عميقة في بنية المجتمعات الحديثة وطبيعة العلاقات الإنسانية داخلها.

هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل ارتبطت بشكل وثيق بالتطور التكنولوجي الهائل الذي شهده العالم، وخاصة في مجال وسائل الإعلام. فقد أصبح التلفزيون، لسنوات طويلة، الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في حياة الناس اليومية، حيث دخل كل بيت تقريبًا وأصبح جزءًا من الروتين اليومي للأفراد والعائلات. ومع هذا الانتشار الواسع، لم يعد التلفزيون مجرد أداة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحول تدريجيًا إلى قوة ثقافية قادرة على تشكيل الوعي الجمعي وصياغة أنماط التفكير والسلوك داخل المجتمع.

ومن خلال ما يقدمه من برامج متنوعة، سواء كانت إخبارية أو درامية أو ترفيهية، ساهم التلفزيون في بناء ما يمكن تسميته بـ”الثقافة التلفزيونية”، وهي ثقافة جديدة تختلف في طبيعتها عن الثقافات التقليدية التي كانت تعتمد على المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي. هذه الثقافة التلفزيونية لا تنقل فقط المعلومات، بل تؤثر أيضًا في القيم والمعايير الاجتماعية، وفي طريقة إدراك الأفراد للعالم من حولهم، بل وحتى في تحديد ما يعتبرونه مقبولًا أو مرفوضًا من سلوكيات.

وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل تأثير المحتوى العنيف الذي يُعرض عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث أصبح العنف عنصرًا متكررًا في العديد من الأعمال الدرامية والأفلام والبرامج. هذا الحضور المتكرر قد يساهم في تطبيع مشاهد العنف في ذهن المتلقي، خاصة لدى الفئات العمرية الصغيرة، مما يجعلهم أكثر عرضة لتقبل السلوكيات العدوانية أو التفاعل معها بشكل أقل حساسية من السابق.

وعند الحديث عن العنف، فإنه لا يقتصر على شكل واحد أو نمط محدد، بل يتخذ صورًا متعددة ومعقدة. فهناك العنف البدني الذي يُعد الشكل الأكثر وضوحًا، ويتمثل في الإيذاء الجسدي المباشر، سواء من خلال القتل أو الضرب أو أي اعتداء يؤدي إلى إصابة أو ضرر ملموس في الجسد. هذا النوع من العنف يترك آثارًا مباشرة وفورية على الضحية، وقد يمتد ليؤثر على المجتمع بأكمله من خلال نشر الخوف وعدم الاستقرار.

وفي المقابل، هناك العنف التسلطي، وهو شكل أكثر خفاءً وتعقيدًا، إذ لا يعتمد على القوة الجسدية المباشرة، بل يقوم على فرض السيطرة والهيمنة بطرق غير مباشرة. ويهدف هذا النوع من العنف إلى إحداث أضرار اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية، مثل حرمان الأفراد من حقوقهم، أو إضعاف فرصهم في الحياة، أو الضغط عليهم نفسيًا وعقليًا بطريقة تؤثر على توازنهم واستقرارهم. ورغم أنه لا يظهر بشكل صريح كالعنف البدني، إلا أن نتائجه قد تكون أعمق وأطول أثرًا على الفرد والمجتمع.

ومن هنا، يمكن القول إن العنف في عالمنا المعاصر لم يعد مجرد سلوك فردي معزول، بل أصبح ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها الإعلام، والبيئة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والثقافة العامة السائدة. وهذا ما يجعل التعامل معه يتطلب وعيًا أعمق وفهمًا أشمل لجذوره وأسبابه، بدل الاكتفاء بالنظر إلى نتائجه فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى