الشخصنة: حين يتحول النقاش من الفكرة إلى الشخص

بقلم نجاة البدوي – المملكة المغربية
هل وجدتَ نفسك يومًا في موقف اختلاف في الرأي، فترك محاورك الفكرة جانبًا وانصرف إلى استهدافك أنت بدلًا من مناقشتها؟ أو ربما العكس… هل وجدتَ نفسك يومًا، بدل أن تناقش الفكرة، تندفع إلى الحكم على صاحبها؟
إنها تجربة مألوفة نكاد نعيشها يوميًا، خاصة في فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث ينحرف النقاش سريعًا من الفكرة إلى الشخص. هذا الأسلوب في النقاش يُعرف باسم “الشخصنة”، وهي مغالطة منطقية يتحول فيها النقاش من الفكرة إلى الشخص؛ فبدل تحليل الفكرة ومناقشتها بالحجج، يتم إصدار أحكامٍ قيمية على قائلها، وكأنّ النيل من صاحب الفكرة والطعن في شخصه كفيلٌ بإسقاط حجيتها. والحقيقة أن هذا التصور غير دقيق ومجانبٌ تمامًا للصواب؛ لأن قوة الفكرة لا ترتبط بهوية من قالها، بل بمدى تماسكها وأدلتها.
الإشكال ليس في الاختلاف في حدّ ذاته، فهو ظاهرة إنسانية طبيعية بين الناس، وإنما يكمن جوهر المشكلة في طريقة تعاملنا معه، والتصورات التي توجّه نظرتنا إليه.
لنوضح ذلك بمثال بسيط:
شخص يقول: “كل إنسان حر في حياته ما دام لا يضر الآخرين.”
وهو رأي قد لا يلقى قبولًا لدى الكثير من الناس.
فيرد عليه شخص آخر قائلًا:
“أين تنتهي حدود هذه الحرية في نظرك؟ وكيف يمكن أن تؤثر في المجتمع؟”
بهذا الرد يُفتح باب النقاش، ويُحافَظ على مستوى الفكرة، مما يتيح تبادل الآراء، وقد يقود الأمر إلى إقناع أحد الطرفين أو على الأقل إلى احترامٍ متبادل رغم اختلاف الرأي.
لكن في المقابل، قد يأتي ردّ آخر من هذا النوع:
“أنت تريد نشر الفساد في المجتمع!”
هنا ينزلق النقاش من مناقشة فكرة الحرية إلى إصدار حكم على نية صاحب الفكرة. وهذا هو جوهر الشخصنة: خلطٌ بين الفكرة وصاحبها، وبين الرأي ونية قائله.
الشخص الذي يلجأ إلى الشخصنة قد تغلب عليه الانفعالات أكثر من التفكير المنطقي، وحين يعجز عن مجاراة الفكرة بحججٍ مضادّة، يستبدلها بهجومٍ شخصي، متوهمًا أنه بذلك انتصر، لكن في واقع الأمر يكون قد فقد جوهر النقاش وانصرف عنه.
في المقابل، الشخص الذي يقبل أو يناقش فكرة صادرة عن شخص خارج دائرة توجهه، ويضع مسافة بين مشاعره وأحكامه، هو شخص يمتلك قدرًا من النضج الفكري.
ولو صحّ أن نشبّه عقل الإنسان بالحاسوب، لوجدنا أن العقل الذي يمتلك هذا النضج الفكري عقلٌ منظَّم، يتم فيه فصل الملفات عن بعضها البعض؛ فملفّ المشاعر والمعتقدات الشخصية (ما هو ذاتي) منفصل عن ملفّ المعطيات الموضوعية والحجج (ما هو موضوعي).
أما العقل الذي يميل إلى الشخصنة، فتختلط فيه هذه العناصر دون تمييز أو فصل.
لذلك، يصعب جدًا خوض نقاشٍ حقيقي مع شخص لا يمتلك ثقافة الفصل؛ لأنه سرعان ما ينتقل من مناقشة الفكرة إلى الحكم على الأشخاص. ومع اتساع مساحة الاختلاف، قد يتدرج الأمر من التشكيك في النوايا إلى السخرية أو الإهانة، وقد يصل إلى التخوين أو التكفير، حين يكون الأمر مرتبطًا بالدين.
ختامًا، ليس من السهل أن يكون الإنسان موضوعيًا في نقاشاته، فالموضوعية لا تتحقق تلقائيًا، بل هي مهارة نفسية وعقلية تُكتسب بالتدريب والممارسة.
وهي تقوم، في جوهرها، على القدرة على الفصل:
بين المشاعر والحكم،
بين القناعة والانفعال،
وبين الفكرة وصاحبها.
وعندها فقط يمكننا الحديث عن نقاشٍ حقيقي.




