السنّة في لبنان في عهد الرئيس جوزيف عون: من الآمال إلى الخيبات

بقلم الباحث عادل القاضي
استبشر كثير من السنّة في لبنان بعهد رئيس الجمهورية الجديد، جوزيف عون، وعلّقوا عليه آمالًا كبرى في أن يكون بداية صفحة جديدة من الإنصاف الوطني والشراكة الحقيقية في الحكم، خاصة بعد سنوات من التهميش والإقصاء الذي شعروا به خلال العهود السابقة. المفارقة أن هذا التفاؤل أتى في ظل غياب زعيمهم التقليدي، الرئيس سعد الحريري، عن المشهد السياسي، وهو الذي كان قد بارك تولي جوزيف عون رئاسة الجمهورية، في خطوة بدت حينها كأنها تسليم ناصية الثقة للعهد الجديد. كما أن النائبة بهية الحريري، الشخصية الوازنة في الساحة السنية، كانت قد نظّمت مؤتمرًا لدعم الرئيس، مؤكدة الانفتاح السني على تجربة وطنية جامعة.
لكن بين ما تمنّاه السنّة وما جرى على الأرض، فُتحت فجوة عميقة بين الآمال والوقائع. فسرعان ما بدأت التعيينات الأمنية والقضائية والإدارية تأخذ منحىً لا يعكس روح الشراكة الوطنية المنشودة. شخصيات سنّية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة جرى تجاوزها، ومناطق كبرى ذات حضور سني وازن، كطرابلس وصيدا والبقاع الأوسط، حُرمت من التمثيل في مواقع القرار، لصالح محاصصة دقيقة لا تراعي التوازنات ولا الإنصاف، بل تُكرّس معادلة التهميش والإقصاء.
الأخطر أن العهد الجديد لم يقطع مع النهج الأمني الذي ساد في فترات سابقة، بل بدا وكأنه يواصل سياسة شيطنة البيئة السنية، عبر حملات أمنية وملفات مفبركة، وتوقيفات جائرة، واستمرار استسهال الربط بين السني والإرهاب أو التطرف. كل ذلك جرى وسط تجاهل واضح لمناشدات ومواقف المفتي ومجلس المفتين ورجال الدين السنّة والشخصيات الوطنية التي نادت بالحفاظ على النسيج الوطني والتوازن السياسي. بدا وكأن العهد يصمّ أذنيه عن صوت الشراكة، ويفتح عينيه فقط على منطق تقاسم النفوذ والمحسوبيات.
وإذا كان البعض قد ظنّ أن تغييب الحريري عن المشهد سيُتيح للسنّة فرصة لإعادة بناء خطابهم السياسي من موقع جديد، فإن الواقع أتى محبطًا، حيث أُقصي السنّة المعتدلون ولم يُحتضن السنّة الجدد. وبدل أن يكون العهد منفتحًا على تطلعات السنّة في المشاركة، بدا كأنه يتعامل معهم كمجموعة ينبغي تحجيمها وضبطها، لا شريكًا يُبنى معه الوطن.
واللافت أن هذا التهميش في لبنان يجري بالتزامن مع صعود غير مسبوق للسنّة في سوريا المجاورة، حيث يتولون الآن مقاليد الحكم بعد سقوط النظام السابق. المفارقة أن سنّة لبنان، في دولة يُفترض أنها ديمقراطية وتعددية، يُعاقبون ضمنيًا على صعود إخوتهم في سوريا، في ما يبدو وكأنه عقاب جماعي وانتقامي تُمارسه بعض الأطراف التي تخشى من اختلال توازنات ما بعد الحرب السورية.
هذا الواقع المؤلم ترك أثرًا عميقًا في الوعي السني. فشعور الغبن والإقصاء لم يعد مجرّد انطباع، بل بات حقيقة يومية يلمسها المواطن السني في الوظيفة العامة، في التغطية الإعلامية، وفي النظرة الأمنية، وحتى في الخطاب السياسي الذي لا يلتفت إلى هواجس الطائفة إلا عند الاستحقاقات الانتخابية.
واليوم، ومع اقتراب الانتخابات النيابية، يترقّب السنّة في لبنان هذه المحطة المفصلية بعين نقدية. إذ يبدو أن المزاج العام في الشارع السني يتجه لأول مرة منذ سنوات إلى كسر قاعدة “الاعتدال المهادن”، والبحث عن خيارات تعبّر عن إحساسهم بالظلم وتُطالب بحقوقهم بصوت مرتفع، أسوة بباقي الطوائف التي لم تتردد يومًا في رفع سقف خطابها لحماية مكتسباتها.
إن الطائفة السنية، التي طالما كانت العمود الفقري للدولة اللبنانية ومشروعها الوطني، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق. فإما الاستمرار في النهج التقليدي الذي لم يُثمر سوى المزيد من التراجع، أو الذهاب نحو خيارات سياسية جديدة تُعيد فرض حضورها بقوة، وتُطالب بشراكة فعلية لا مجاملة شكلية. ربما هي لحظة مراجعة، وربما بداية توازن جديد تُفرض فيه المعادلة لا تُطلب، وتُنتزع فيه الحقوق لا تُستجدى.




