مهنة الحرب

مهنة الحرب
بقلم: العميد الركن المتقاعد، الدكتور حسن جوني، نائب رئيس أركان العمليات السابق في الجيش اللبناني
رغم تغليفها ووضعها في إطارٍ من القيم والمبادئ كصَوْن الشرف وحماية الأرض والعرض، والتنظير لمشروعيتها وضرورتها، تبقى الحرب في أصلها وجوهرها مهنة العنف والقتل والتدمير، ولا ينتج عنها سوى الآلام والعذابات والخسارات الجسيمه في كل شيء .
إذاً، لماذا يمتهنها العاقلون ؟! . أسألُ نفسي أنا الذي دخلت عالمها وأبحرت في اعماقها حتى غدَت مجالاً محدِّداً للأفق الفكري والوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي حكَمَ تطور شخصيتي التي صُقلت وشُذِّبت وفقاً لفلسفة الحرب وقواعدها. فكما يوجد كلية للطب وكلية للهندسه والآداب وغيرها هناك كلية للحرب وهي الكليه الحربية التي سعيتُ اليها بقدميَّ ودخلت بابها الذي لا يفتح على مجرّد مبانٍ ومنشآتٍ وقاعاتٍ وملاعب فحسب، بل على عالمٍ آخر تماماً، عالم مختلف كلياً عن مختلف الكليات.
فماذا أغراني؟ وما الذي دفعني الى ذلك الباب الذي يشبه ما تروي عنه الأساطير ..
ببساطةٍ كلية وصراحة جريئة، ما أغراني يندرج ضمن ثلاثه اعتبارات وبالأفضلية، أولها هو الزيّ العسكري! نعم، الزيّ العسكري الذي وُجد ليس فقط للتوحيد بل ايضاً للإغراء.
هذا الزيّ، ولا سيما الرسمي اي البزة الرسميه التي تزدان بالشارات والرتب والأوسمه، هو فعلاً لا قولاً هدفٌ بحد ذاته يجذب الشباب في بدايات بحثهم عن هويةٍ خاصة بهم، تُميزهم في محيطهم، بين اقرانهم، في قراهم واحياء سكنهم، وهذا أمر ينسحب على كل الجيوش في العالم وهي فلسفة اغراء لدى الجميع، والإغراء هنا فيه شيء من “الخداع” الذي لا بد منه من أجل تكوين الجيوش وجذب الشبان واقناعهم بترك الحياة المدنية والالتحاق في هذا العالم المغلق! الذي يبدو جميلاً كجمال البزة وزهوها!
هذا اللباس العسكري، على جماله وتميّزه، وللمفارقة، هو الاغراءُ، وهو نفسه أول خطوة على طريق التخلي الطوعي عن الحريات، وهنا نتحدث عن حرية اللباس الذي يصبح مفروضاً وفقاً لقواعد الهندام العسكري وليس وفقاً لذوق صاحبه ومزاجه المتبدل يومياً، أو بين صبحٍ ومساء، أو بين مرحلةٍ وأخرى من مراحل العمر.
أما الاعتبار الثاني فهو ذلك “البريستيج” الذي يتمتع به الضابط في المجتمع اللبناني حيث يُصنف على انه شخصية مرموقة لها مكانتها وحصانتها واعتبارها، وهنا الخدعة الثانية!
اما الاعتبار الأخير، وبصدقٍ أقول، فهو أنني، وفي سياق أوضاعٍ استثنائية في لبنان، الذي كانت (ولا زالت) تحكمه الأحزاب والميليشيات، وجدتني منحازاً الى الدوله، ولو كانت نظرية آنذاك، والى القانون، ولو كان غائباً أيضاً أو مغيباً، وهنا الخدعة الثالثة الأكثر أسفاً وإيلاماً!
تلك هي البداية التي نقلتني من البسطة الفوقا إلى الفياضية، من المريول إلى المرقط، من الطائفة والمذهب إلى رحاب الوطن، من تلميذ مراهق الى رجلٍ مسؤول ..
ولكن أيضاً، من حضن الأهل والمنزل الدافىء الى ميدان بل ميادين الخطر والخوف والرعب والقلق ..
الى حياةٍ أخرى تغيّر فيها كل شيء، من سرير النوم، أو اللانوم، الى نوعية الطعام وظروف تناوله، الى خشونة التعامل، الى أقسى درجات الضغط النفسي والجسدي، الى قساوة الرؤوساء والمدربين وقساوة الطبيعية في ذلك الكانون الثاني العاصف.
يضاف لكل ذلك العذاب، القصف المدفعي الذي كان يطال نواحي الكليه الحربية والذي تطلقه فوهات من النصف الغربي للعاصمة تتبادله مع فوهات نصفها الشرقي، إلى كل ذلك العالم الجديد من الرفاق الذين تقاسمت معهم غرفة المنامة التي لم تتسع لعشرين تلميذ ضابط، بفاصل نصف متر بين سريرٍ وسرير وفاصلٍ كبير جداً بين خلفيةٍ وأخرى! قادمين من مناطق لبنانية متصارعة، ومنطلقات تربوية وفكرية متناقضة، يحملون ألف سؤالٍ وسؤال، ينتمون إلى جميع طوائف لبنان، وفي طريقهم الى جيشٍ واحد لوطنٍ واحد! وللحق أقول أن أول شاب مسيحي قابلته في حياتي كان في تلك الغرفة، وقد كان حذراً تجاهي كما كنت حذراً تجاهه ولكني تفاجأتُ حين وجدته لطيفاً، خلافاً لما زرعتهُ في وعينا رواسب الحرب الأهلية التي كنتُ نشأتُ في خضمّها.
كل هذا الوضع الجديد الثقيل كان يساعدني على تحمله أمران : الأمل والطموح قبل أن يتبلور مع الأيام الأمر الأهم وهو : القضية ..
ولكن يبقى البحث عن الجواب جارياً حتى اللحظة، الجواب عن السؤال الأساس: هل الحرب مهنة تستحق أن يمتهنها العقلاء الذين يأتون للحياة مرةً واحدة؟ فرصةً وحيدة !!
من كتابي، غير المكتمل بعد، بعنوان: (( رحلتي بين السيف والقلم
جنرالٌ حائر بين الحرب والسلام ))




