رأي خاص

مصر تحفظ أمن الخليج وتمنع امتداد الحرب إلى العمق العربي

بقلم: كريم حسين _ مصر

كعادتها في جميع المصائب التي تعصف بالمنطقة وبالعرب خاصة تتحمل مصر جزءًا من ردود الفعل الشعبوية ال’ملة ان تأتي القاهرة على حصانها الأبيض وتضرب بسيف ينهي الأزمة لتعود المنطقة لما كانت عليه مرة أخرى قبل الأزمة؛ بيد أن الحرب الحالية جاءت معرّية للواقع الذي تعيشه، فالكثير من الجوار كان يرى ويُخَيّل إليه أن مصر ستكون مندفعة في تحركاتها وتخطوُ خطوات في سياستها الخارجية مُباعة نظير القروض والدعم الاقتصادي والظروف المعيشية والاقتصادية التي تعيشها البلاد (مؤقتًا) إلا أن المتابع لنهج السياسة المصرية الحكيمة، يعلم أن القاهرة لا تتحرك سوى بحكمة ورصانة كعادتها التاريخية بما يخدم شعبها أولا ويخدم المصلحة العليا للمنطقة ثانيًا.

مصر في مختلف الأزمات الخارجية تتحرك وفقًا لعقيدة وتاريخ عميق دون الاخذ في الاعتبار الاحتياجات المالية التي لمح إليها الكثيرون منذ بداية الحرب، (هذا جهل سياسي سيدي المحلل) موقف مصر في حرب إيران دأب على التحرك لمنع جذب ودفع أي دولة شقيقة لبراثن حرب سيرى دخانها في القاهرة أولا حال انجذبت أي دولة خليجية إليها، فترامب وصديقه نتنياهو يريدان الزج بأي طرف عربيًا كان أو أوروبيا إلى المواجهة مع إيران تمهيدًا للانسحاب رويدًا رويدًا والاتفاق على ما يريدانه مع طهران منفردين.

مصر رفضت وترفض وتعمل على إيقاف أي اعتداء لدول الخليج الشقيق، لكنها أيضًا لم ولن تقبل بأي اعتداء اسرائيلي أمريكي منتهك للقوانين الدولية وللحقوق على أي دولة أيًا كانت هي، خاصة وأن إيران باتت في المنطقة جزء أصيل يمكن إدارة الاختلاف معه.

وبالنظر إلى مصر في حال (لا قدر الله ذلك) رهنت جيشها للغير بقرار غير مدروس كانت في البداية سيشدوا بإسمها في الأروقة هنا وهناك وستكون حديث الأوساط، لكنها بعد وقت ستدفع أثمان لا يمكن تخيل فداحتها؛ لذا لجأت مصر للتاريخ على حساب المصلحة المؤقتة واختارت أن تكون حجز زاوية لا أن تكون ورقة على طاولة، فالحرب فرصة استثمارية هائلة لبناء شخصية دولية ومكانة ومكانة رصينة جديدة.

وهنا نجح رهان مصر، ففي البداية كانت مصر المبادرة والقادرة الوحيدة (بشاهدتهم لا بشهادة المصريين) على مواربة باب التفاوض بنجاح أجهزتها في فتح مسار للحديث مع الحرس الثوري الإيراني (الحاجم والمسيطر الفعلي على مقاليد السلطة الإيرانية حاليًا) وهو ما استخدمته جميع الأطراف بمن فيهم المُعْتَدين والمُعْتدى عليهم أنفسهم وكذلك الأطراف الوسيطة في باكستان وغيرها لفتح مسار أفضى إلى الهدنة والجلوس على طاولة التفاوض بين إيران وأمريكا.

ونجح الرهان المصري أيضًا بتمكن مصر من سد الفجوات بين الأطراف المتفاوضة حتى تمكنت رفقة باكستان من إيصالهم إلى مائدة التفاوض في إسلام آباد، لكنها لم تظهر على مائدة التفاوض واكتفت بدور خفي فقط.

وهنا السؤال لماذا؟

بحكم التاريخ تعلم مصر الموقعة على أول اتفاق سلام في التاريخ بمعركة قادش، أن المفاوضات لن تحسم من الجولة الأولى ولن تكون المحطة الأخيرة، لذا راحت تحافظ على مكانها كحجر زاوية يتدخل لرأب الصدع وتهيئة مناخ السلام في المنطقة مرة أخرى كما فعلت مؤخرًا وتفعل دائمًا في غزة، تتعدد الجولات التفاوضية وتكون الخاتمة الحاسمة في مصر في كل حرب طالت فلسطين.

وبالعودة إلى إيران، إذا ما نظرنا إلى ردود الفعل الشقيقة المطالبة بجيش مصر، فالقاهرة كانت مقدرة دائمًا وقدمت ما يمكن تقديمه مع المحافظة على مسارها وشلعة سلامها الممثلة في مسارٍ دبلوماسي وأمني متعدد الأبعاد لاحتواء تداعيات الحرب على إيران ومنع امتدادها إلى عمق المنطقة العربية، وذلك في ظل إدراكها أن استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

فماذا إذا كانت مصر إنجرت إلى الصراع وباتت طرف غير موثوق لمواربة أبواب التفاوض وفتح مسارات للسلام، كنا كما تريد إسرائيل غارقين في غياهب استنزاف عسكري وسياسي واقتصادي، وكنا كما يريد حلفاء إسرائيل في أفريقيا أيضًا منشغلين خارج حدودنا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا أيضًا فالحرب أموال لا بارود فقط، وكنا سنغرق في ماء الخليج الضحل بالألغام أملا في طرف يتسيد الموقف لخلق مسار للتفاوض مع إيران ونجلس على الأريكة ننتظر من يقرر لنا!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى