رأي خاص

هزيمة قسد هي نموذج لسقوط الوكلاء في دول المشرق العربي

بقلم أحمد خالد يافاوي

ما جرى في دير خافر ومحيطها في مسكنة في ريف حلب الشرقي وفي الرقة وريفها ودير الزور والأرياف والقرى شرق الفرات وحقول النفط والغاز الواقعة فيها خلال اليومين الماضيين ليس اشتباكًا عابرًا ولا حادثًا ميدانيًا محدودًا، بل تحوّل استراتيجي يعلن نهاية مرحلة كاملة من إدارة الصراع عبر «الميليشيات الوكيلة». والضربة التي تلقّتها «قسد» تمثّل انهيار أحد أهم الأذرع للمشروع الأميركي في سوريا، وتؤكد أن مرحلة الاستثمار في الفوضى باتت أقل فاعلية من ذي قبل.
فالوقائع الميدانية تشير بوضوح إلى انتقال سوريا إلى تموضع إقليمي جديد، أقرب إلى محور تركي–مصري–سعودي–باكستاني، يعمل على تفكيك شبكات النفوذ داخل الدول والتي استُخدمت طوال عقد لتفتيت الجغرافيا وإضعاف الدولة الوطنية. هذا المحور لا يتحرك بدوافع أيديولوجية، بل بمنطق المصالح الصلبة من أمن إقليمي، إلى ضبط الحدود، وكبح المشاريع العابرة للدول، وإنهاء نموذج «الإدارة بالوكالة».
سقوط «قسد» عسكريًا يعني سقوط أحد أعمدة السيطرة الأميركية شرق الفرات
فهذا ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خسارة جيوسياسية مباشرة تقلّص قدرة واشنطن على فرض خرائط نفوذ موازية للدولة السورية، تُفقدها ورقة الضغط الأساسية في أي تسوية مقبلة. ومع تراجع هذه الورقة، يتقلص هامش الابتزاز السياسي والعسكري الذي استُخدم لإبقاء سوريا في حالة شلل دائم.
أما الأخطر من ذلك فهو أن هذه المعركة أسقطت السردية التي حاولت تسويق «قسد» كقوة محلية مستقلة، وتثبت أنها كانت أداة وظيفية ضمن مشروع أوسع مرتبط بإعادة رسم خرائط النفوذ تحت غطاء «الشراكات الأمنية» و«الترتيبات الإبراهيمية» التي تستهدف تفكيك اليمن والسودان وليبيا والصومال وسوريا إلى كيانات ضعيفة قابلة للإدارة الخارجية.
إقليميًا، نحن أمام إعادة توزيع للقوة، وانهيار نموذج الوكلاء لا يعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مستوى أعلى يتمثل في الصراع على الدولة نفسها، على السيادة، وعلى شكل النظام الإقليمي الجديد. أما القوى التي كانت تدير الفوضى من الخلف ستنتقل إلى أدوات مباشرة كالضغط الإقتصادي، والعقوبات، والحروب الناعمة، ومحاولات تفجير الداخل سياسيًا واجتماعيًا.
في لبنان، حزب الله ليس بمعزل عن هذه التحولات، فتراجع النفوذ الأميركي شرق سوريا يفتح مرحلة أكثر تعقيدا بصعود محور إقليمي عربي–تركي قوي يفرض معادلات جديدة لا تقوم على الاستقطاب التقليدي بين واشنطن وطهران،
والمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة استعراض قوة عسكرية، بل مرحلة اختبار القدرة على إدارة الداخل، وحزب الله سيكون أمام خيارين هما إما إعادة تموضع عقلاني أو البقاء في منطق الاشتباك المفتوح الذي يستنزف البيئة الحاضنة ويعمّق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
الخلاصة
أن معركة «قسد» ليست انتصار طرف على آخر فقط، بل إعلان سقوط نموذج كامل لإدارة الشرق الأوسط عبر الوكلاء، ونحن أمام لحظة انتقال تاريخية، إنتقال من مرحلة التفتيت المُدار إلى مرحلة الصراع على إعادة تركيب الدولة والنفوذ الإقليمي. ومن لا يفهم هذه اللحظة، سيجد نفسه خارج المعادلة، مهما امتلك من سلاح أو شعارات.

19 كانون الثاني 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى