طه جابر العلواني وتجليّات التجديد في مشروعه الفكري

سلوى فاضل
يتميّز الباحث سليم إبراهيم أبو حليوة في كتابه المعنون “طه جابر العلواني: تجليّات التجديد في مشروعه الفكري” الصادر عن “مركز الحضارة لتنميّة الفكر الإسلامي” في العام 2011 بأنه كتاب تشريحي يُفنّد فيه الكاتب التطوّر الفكري عند المُفكر العراقي طه جابر العلواني منذ نشأته في مدارس الفلوجة المتشددة والسلفيّة وصولاً إلى الأزهر الشريف الوسطيّ.
على مدى 243 صفحة يُفصّل أبو حليوة أفكار ومعتقدات العلواني بتمهيد وتقديم يُشبه سلسلة ننتقل فيها من حلقة إلى حلقة أعلى دون تعسّر أو بطء أو تعقيد، وهذا يدلّ على براعة في التقديم والتحليل وتطوير النص. وهو ما يخدم القارئ في دلالة بحثيّة مهمة.
الفصول
يتألّف الكتاب من ستة فصول وتمهيد وخاتمة. الأول بعنوان في الإصلاح والتغيير، والثاني بعنوان: معالم المنهج العلواني، والثالث: القضية السياسيّة، والرابع، وهو الأبرز، وهو بعنوان: العلواني والساحة الإسلاميّة، والخامس: أدب الاختلاف، والسادس: في الساحة العالميّة.
من هو العلواني؟
هو واحد من الأعلام من أصحاب المشاريع الفكرية في هذه المرحلة من تاريخ الأمة الإسلامية، وقد ارتبط اسمه بواحدة من المؤسسات العلمية الرائدة التي اختارت أن يكون الغرب ساحة لنشاطها العلمي، وهذه المؤسسة هي “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، وكان العلواني واحداً من مؤسسيها والناشطين البارزين فيها.
من الفلوجة في العراق بدأت رحلة العلواني، وعلى يد مشايخها وفي كتاتيبها، غاص في التراث ناقدًا معالجًا، وأول اشكالية واجهته هي مفهوم “الردة” رغم أن الآية الكريمة تقول “لا إكراه في الدين” حيث سعى إلى تأصيل فكرة الحرية، خاصة بعد السؤال الذي طرح نفسه أمامه وهو “جواز إعدام الشيوعيين”.
إسلاميّة المعرفة
حمل العلواني مشروع إسلاميّة المعرفة، بل يكاد يكون المنظّر الأول لها بعد الراحل إسماعيل الفاروقي، فكثرت دراساته عن العقل في الإسلام، ودعا إلى تحريره للخروج من الأزمة. فكثرت دراساته عن العقل في الإسلام، ودعا إلى تحريره للخروج من الأزمة. وعمل بكلّ قوته لإدخال الوحيّ كمصدر من مصادر المعرفة الأولى عند الإنسان المسلم.
وقد سعى بمشروعه “إسلامية المعرفة إلى تنظيم المبادئ الأساسيّة التي تُشكل جوهر الإسلام. وقد وضع قواعد ومنهجيّة للتعامل مع القرآن والسنّة والتراث من خلال بناء منهج للتعامل مع القرآن، وتوظيف الأطر العلميّة المختلفة، على أن تكون مرجعيتنا القرآن وتفسيرية السنّة.
يرى العلواني أن إسلاميّة المعرفة مدخل مرتكز الانطلاقة الإسلامية نحو التغيير وينطلق مشروع إسلامية المعرفة من فرضية أن أزمة الأمة في فكرها ومنهج تفكيرها، وما يتعلق بذلك من نظم تربوية وتعليمية، والتي أدت إلى تكريس الغربة والابتعاد عن الإسلام ونظامه في الحياة.
“لم يرفض العلواني التراث كما يفعل العلمانيون، ولم يتبناه بالكامل كما فعل الماضويون، ولم يقبل بالانتقاء العشوائي. ورأى أن الإشكاليات الفكرية في التعامل مع التراث الإسلامي كبيرة وكثيرة، وأخطرها ما يتعلق بفقه الأحكام، حيث نظر بعض الفقهاء إلى القرآن الكريم كمصدر للأحكام الشرعيّة دون الالتفات إلى البحث في القرآن باعتباره مصدرا أساسيّا للمنهجية المعرفية الضابطة للموضوعات بشكل كلّي”.
وأوضح العلواني أن منهج أصول الفقه تأسس في الأصل لمعالجة القضايا الفقهية، وهي مختلفة عن الظاهرة الاجتماعيّة من حيث أن القضايا الفقهيّة تتصف غالبا بالجزئية، أما الظواهر الاجتماعيّة الإنسانيّة فتتصف بالعموميّة. والقضايا الفقهيّة برأي العلواني هدفها تبيان الحكم الشرعي التكليفي في حين أن الظاهرة الاجتماعيّة هدفها تبيان القوانين والسنن.
النبوّة
وانطلاقا من محدد ختم النبوة، كأهم محددات الشريعة الإسلاميّة، استبعد فكرتي عودة المسيح وظهور المهدي، رغم أن الأمرين تناولهما التراث الإسلامي بشكل كثيف. وهي كانت فكرة مثيرة وجديدة في الكلام عن خاتميّة النبوة. لم يرَ مقدسا أمام العلم إلا الكتاب والسنّة، وهذا ما منحه رؤية تقوم على أن الأشخاص متبدلون فلا ثوابت ولا قدسيّة لأحد.
المشروع الحضاري الإسلامي
ورأى العلواني أن الأمة الوسط الخيّرة استدرجت قديما وحديثا إلى المأزق الحضاري الذي أساسه أزمة فكرية، وهذا يعود إلى عدم الإلتزام بالعقيدة قاعدة فكرية. واعتبر المشروع الإسلامي في جزء كبير منه دعوة الى الكفاح والتعبئة بسبب وقوع عدد كبير من دول المسلمين تحت الاحتلال. أما الاشكاليّة التي طرحها العلواني في كتبه، فهي: أن أصل الداء يملك كوامن له في فكر الأمة وأن مكمن هذا الوباء في النفس والعقل المسلم وفي الفكر المتقاعس عن ممارسة التغيير طبقا للسنّة الربانية الثابتة “إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم”. لذا، نجده يدعو إلى ضرورة المشروع الحضاري الواحد، فالأمة بحاجة إلى مشروع حضاري واحد يفجر طاقاتها ويجمع جهود أبنائها المطالبون بالتلاحم. ومطالبون بعملية مراجعة جماعيّة على مستوى الأمة للتراث كله منذ رحيل النبي محمد قاصدًا بذلك اجتماع السقيفة الذي غيّر وجه الأمة.
ويعتبر العلواني أنه لا يمكن للعاملين للإسلام التقدم نحو بناء المشروع الحضاري قبل معالجة أمور أساسية منها قواعد التعامل مع القرآن والسنة والتراث الإسلامي. وميزة العلواني أنه قدم مقاييس عملية للمراجعة وركز على العامل الزمني وعلى العملية النفسيّة في ذلك.
ويعتبر نفيه للقداسة الإنسانيّة الفردية نتيجة طبيعيّة لما وصل إليه في الأزهر الشريف باعتبارها فهما بشريّا وليست الشريعة نفسها. بعد أن تعلم العكس عن المذاهب والمقولات الفقهية في الفلوجة.
لذا، أخذ حذره من الإفتاء لما في ذلك من مسؤولية شرعية، وخوف من الله، وتهيّب من الفتوى. وهذا الخوف أنشأ لدى العلواني نزعة المراجعة التي أصبحت ميراثا تركه في تحقيقه لكتاب المحصول للرازي.
لا إكراه في الدين
أما ما شكّل شرارة الجدل حول العلواني وفكره فكان كتابه “لا إكراه في الدين إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” حيث كان قلقه الدائم حول جواز “إعدام الشيوعيين العراقيين”.
فالحرية ولكونها قلق المفكرين والعلماء، فقد وجد أكثر من 200 آية ترّسخ الحرية في القرآن الكريم بكل معانيها وبالتأويل النبوي، فحرية الاعتقاد هي أسمى الحريات التي شدد عليها القرآن الكريم وجاءت واضحة جدا بقوله تعالى في سورة البقرة “لا إكراه في الدين” وهي عامة في الزمان والمكان والأشخاص ولا تقبل نسخا لعمومها المطلق وورودها بصيغة أقرب للخبر.
وبحسب العلواني مرّ العالم الإسلامي بثلاث مراحل، هي: مرحلة الصدمة الأولى والانبهار، ومرحلة الاستقرار، ومرحلة الصحوة الإسلامية.
والمرحلة الأخيرة تحتاج إلى التغيير واستعادة هويتها الثقافيّة، والتغيير برأيه جماعي هدفه استخلاف الله الإنسان في الأرض لإقامة الحق من خلال حفظ الحق وحمايته، والرحمة والتزكية.
وتمحورت منطلقاته بكونيّة الرسالة الإسلاميّة، والإيمان بخلود الإسلام، والاعتقاد بأن أزمة الأمة أزمة فكرية. والإيمان بقدرة الأمة على صناعة الأفكار المعاصرة، وعصمة الأمة عن الردة والضلال.
كلّ ذلك يحتاج إلى مرتكزات، هي: اعادة قراءة الكتاب والسنّة من جديد واعادة قراءة التراث الإسلامي والتراث البشري ودراسة الواقع المعاصر واستشراف المستقبل بهدف تشكيل العقل المسلم لدور الاستخلاف من أجل تنقية الافكار وبناء النسق المعرفي والثقافي من أجل العمل على عدة محاور أولها المنهج، وثانيها الفكر، وثالثها التربية والثقافة والعمران.
الحركات الإسلاميّة
انتقد العلواني الحركات الإسلاميّة التي ظهرت كردة فعل على سقوط الخلافة الإسلاميّة ولأجل الدفاع عن العقيدة، مما أخرّ الاهتمام بالجانب الفكري، وبالتالي الابتعاد عن الرؤية التغييرية التي تسعى للنهوض بالأمة.
والتفاوت الشديد في الخطاب الإسلامي لدى الحركات الإسلاميّة شكلا ومضمونا كشف الاختلاف والاضطراب. فكلّ مشكلة الحركات السياسيّة تنحصر بالخلافة والخليفة. أما الخطاب التربوي فتنحصر مشكلته بالأخطاء والتصويب والانحرافات التربوية. وتنحصر المشكلة العقيدية بالماضويّة في النظر إليها، أما المشكلة الدعوية فلا تتعدى الكثرة والانتشار والامتداد دون أيّ بحث في التحولات الاجتماعيّة والاقتصاديّة..
وعدا عن الإسلوب الخطابي البعيد عن التأصيل الفكري، عانت الحركات الإسلاميّة من هم السلطة، وركزت على الدفاع وغيّبت النقد والاصلاح والتطوير. وعندما تسلّمت السلطة ارتكبت أخطاء السلاطين والحكّام تحت عنوان الخروج على الحاكم وعدم الطاعة..
جماعات العنف الإسلامي
ارتكبت الحركات الإسلاميّة العنف سواء الفتوائي أو الميداني عبر استدعاء التراث الفقهي وانزاله على الواقع والحكم به. وهذا يُعد خطيئة كبرى قامت بها الجماعات الإسلاميّة فقد اعتبروا أنفسهم كرسول الله. فقالوا بالحاكميّة لله وكأنهم الله تعالى في فتاويهم التي لم يراجعوا أنفسهم حيالها، واستمروا بالقول بها. ومن الحركات الإسلاميّة من قال بالجهاد أيضا، فالفقه بحسب العلواني مرتبط بالزمان والمكان ارتباطا وثيقا، وهم ورغم كونهم من البشر إلا أنهم أعطوا لأنفسهم صفة الألوهيّة.
فلسطين
دعا العلواني إلى أسلمة القضية الفلسطينيّة من أجل ادارة الصراع إدارة كفوءة، وقد تعطي الصراع بعدًا اقتصاديّا واستراتيجيّا. ودعا إلى ضرورة فهم فقه الفتنة وإشاعة الوعي وأصوله وقواعده وإحياء الإيمان بوحدة الأمة وعدم اتخاذ الدين قوميّة والمذهب قبيلة والطائفة حزبًا ومراجعة الثقافات والموروثات في البلدان المتعددة الطوائف. ورأى العلواني أن الأمة الوسط الخيّرة استدرجت قديمًا وحديثًا إلى المأزق الحضاري الذي أساسه أزمة فكرية، وهذا يعود إلى عدم الالتزام بالعقيدة كقاعدة فكرية.
ختاما..
كم اجتهد الكاتب أبو حليوة لتخليص و”جوجلة” أفكار الفيلسوف طه جابر العلواني، وكم استغرقت من الوقت للاطلاع التفصيلي على كل إنتاجه الثقافي والفكري مُحللًا ومُفصلًا ومُعللًا ومُفسرًا كلّ صغيرة وكبيرة في فكره الإسلامي المُعاصر منذ نشأته وتشدّده في مدارس الفلوجة إلى وسطيّة الأزهر.
مؤلفاته
ألّف العلواني أكثر من أربعين كتابا، ووضع عشرات الأبحاث والدراسات، من أهمها: نحو التجديد والاجتهاد، ومعالم في المنهج القرآني، ونحو منهجيّة معرفيّة قرآنيّة، ومقدمة إسلاميّة في إسلاميّة المعرفة، والخصوصية والعالميّة، ومقاصد الشريعة، وإصلاح الفكر الإسلامي، والجمع بين القراءتين، وإبن تيمية وإسلاميّة المعرفة، ونحو إعادة بناء علوم الأمة، والتوحيد والتزكية والعمران، وأدب الاختلاف في الإسلام، وأبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة.




