ثقافة

إيران والمشرق العربي: مواجهة أم تعاون؟

سلوى فاضل

ما بين العامين 2023 و2025 شهدت العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما السعودية والإمارات، تحوّلاً كبيراً في أعقاب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من العام 2023. وكان النظام الإقليمي في الشرق الأوسط يتجه نحو اتفاق كبير بين دول الخليج العربي و”إسرائيل” قبل هذا الحدث الضخم. بالمقابل كانت دول الخليج تتخذ تدابير تُخفف فيها من الخلاف مع طهران رغم هجوم الحوثيين على شركة “آرامكو” السعودية في العام 2019، وتخريب سفن الشحن الراسية في مياه الفجيرة الإماراتيّة.
في كتابه المهم جدًا (إيران والمشرق العربي: مواجهة أم تعاون) يستعرض الباحث السياسي سركيس أبو زيد في الكتاب الذي بين أيدينا الصادر ضمن “سلسلة الدراسات الإيرانية – العربية” في العام 2010 بـ359 صفحة، حيث يُورد أبو زيد نصوص الإتفاقيات التي تحدّث عنها في الكتاب في 7 ملاحق، مع عشرات المراجع والمصادر منها: اتفاقية سايكس- بيكو، ووعد بلفور، واتفاقية الجزائر بين العراق ولبنان، ونص معاهدة (كامب دايفيد)، و(اتفاقية وادي عربة)، و(إعلان يوم القدس العالمي)، و(نصّ تركي الفيصل حول الهلال الخصيب)..
ونحن إذ نستعيد هذا الكتاب اليوم لاسيما بعد الاتفاق الايراني-السعودي وعودة التقارب العربي الإيراني نظرًا لأهميّة البعد التاريخي والديني والسياسي في هذه العلاقات وهناك حاجة للعودة للدراسات والكتب المهمة في هذا المجال.
هذه النوعيّة من الكتب التي تضع النقاط على الحروف، والتي تبتعد بشكل واضح عن تغليب الرأي الخاص على المعلومة والتوثيق، تبرز أهميتها في مرحلة العقل البارد الذي بدأت أهميته تظهر اليوم بملامح السلم في المنطقة، سلم ليس بين العدو وصاحب الحق، بل بين “الإخوة – الأعداء”، إذا صحّ التعبير، بعد مناكفات على كافة الصعد، التي لم تذر إطارا عاما إلاّ وأفسدته هذه الخلافات التي تمظهرت بمظهر الخلاف المذهبي، وبغلاف ديني رغم أنّ هذا الصراع ذو واقع سياسي اقتصادي سلطويّ.
وتجلّى التوافق العربي-الإسرائيلي في اتفاقيات “آبراهام” التي طبّعت العلاقات الاقتصادية والسياسيّة والدبلوماسيّة بين إسرائيل والإمارات والبحرين علنًا.
لكن هذه الدول تحتاج إلى إيران لبحث قضية الحرب في اليمن، كما أن تحالف الدول الخليجية مع “إسرائيل” سيستفز طهران، مما يجعلها هدفاً في الصراع العسكري بين إيران وإسرائيل. لذا، امتنعت السعودية والإمارات عن المشاركة في التحالف الذي تقوده واشنطن في البحر الأحمر ضد الحوثيين في العام 2023 رغم الحلف الأميركي- الإسرائيلي- الخليجي.
وقد مثّل العدوان الإسرائيلي على إيران صيف العام 2025 تحذيراً بالغ الأهمية، فعندما أُغلقت الأجواء في أنحاء الخليج، انخفضت أسواق الأسهم الإقليميّة بشكل حاد. وهذا إن استمر سيكبّد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي خسائر ضخمة.
لذا، فتحت دول مجلس التعاون الخليجي قنوات اتصال مع إيران لتحميّ نفسها من العواقب. ويعود امتناع طهران عن استهداف مصالح الخليج أو إغلاق مضيق هرمز إلى الدبلوماسيّة البينيّة.
ومن إيجابيات إدراك دول مجلس التعاون الخليجي لمخاطر المواجهة مع طهران هو زيادة اعتماد إيران على العلاقات الإقليميّة لمواجهة الضغوط الأميركيّة، خاصّة فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية عليها.
وكانت إيران قد اقترحت تشكيل تحالف إسلامي-عربي كبديل عن المظلة الأمنيّة الأميركيّة لدول مجلس التعاون الخليجي، وحددت إطارًا للتعاون يكون مستقلًا عن نموذج “اتفاقيات آبراهام”، خاصّة أن إيران دعمت اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية، وأعربت عن رغبتها في الانضمام إلى هذه الاتفاقيّة.
بالمقابل، تسعى إيران للحفاظ على مواقعها السياسيّة في كلّ من لبنان والعراق وتوسعتها عندما تسنح الظروف لها. كما تتجه على المستوى الدفاعي نحو “توسيع نطاق الحوار الدبلوماسي” إلى حين تمكنها عسكريّا.

تحولات عميقة

وكانت بدأت علاقة إيران بالعالم العربي تشهد تحوّلات عميقة خاصّة ما بعد السابع من أكتوبر في العام 2023 تاريخ شن حركة “حماس” هجومها على إسرائيل، والذي عُرف بـ”طوفان الأقصى”. وقد أعقب ذلك حرب إبادة على غزة لا زالت مستمرة حتى اليوم. ولطالما كانت إيران الداعم الأساس للقضية الفلسطينيّة ولمحور المقاومة ضد إسرائيل. إيران كانت ولا تزال تدعم فصائل فلسطينية بما فيها حركتي “حماس” و”الجهاد” مادياً وتدريبياً عبر “فيلق القدس”.
لكن العلاقات بين إيران والعديد من الدول العربية وخاصة دول الخليج شهدت حالة من التعقيد، حيث حاولت بعض دول مجلس التعاون الخليجي، خاصّة السعودية والإمارات المُوائمة بين الحفاظ على علاقات مع إيران، وتجنّب التصعيد أو مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
لكن الحرب في غزة أحرجت بعض الدول العربية في المسائل الأمنيّة والاقتصاديّة. وكانت حافظت إيران على علاقة وثيقة مع النظام السوري السابق في سوريا، لكن تطورات الحرب على غزة لعبت دورا في المطالبة بتدخل أكبر لإيران في المواجهات، خاصة بعد انتكاسة محور المقاومة في لبنان وغزة.
إذ أن هجوم إسرائيل على غزة أثبت أن محور المقاومة يواجه تحديات هائلة. فالدعم الإيراني للمقاومة لم يستمر بالتصاعد كما كان متوقّعًا، بل على العكس شهد ثباتا. لكن ظلّت القضية الفلسطينية مسألة جوهرية لدى الدبلوماسية الإيرانية رغم عدم ضربها لإسرائيل خلال عدوانها على غزة، بل ضربتها فقط عندما تعرضت أراضيها للقصف الإسرائيلي.
ولم تشهد علاقات إيران مع العالم العربي تصعيدًا شاملا منذ السابع من أكتوبر العام 2023، بل دخلت مرحلة معقّدة. فإيران ما تزال تعتبر نفسها لاعبًا مهمًا حيال القضية الفلسطينية، لكن تأثيرها إتخذ طابعًا أقل وضوحًا مما كان عليه قبيل الحرب.

كيف تطورت علاقة طهران بالمقاومة الفلسطينية؟
منذ أكثر من 4 عقود، يُعد دعم إيران للفلسطينيين، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية -حماس، ومعاداة إسرائيل، من الركائز الأساس لسياسة طهران الخارجيّة. بدأت هذه العلاقة في أعقاب الثورة الإيرانية في العام 1979، فقد “قدمت طهران نحو 100 مليون دولار سنويّا للمقاومة الفلسطينيّة، لتغطية المتطلبات الماليّة والعسكرية.
وكان الشهيد يحيى السنوار قد أكد أن “العلاقات مع إيران ممتازة، وأنها أكبر داعم لكتائب عزالدين القسّام على الصعيد المالي والتسليحي”. وإن كانت طهران تصف دعمها للمقاومة الفلسطينية بأنه دعم استشاري فقط.
وتتنوع دوافع هذا الدعم بين الأيديولوجيا والمصلحة الأمنيّة. فهناك من يعتقد أن طهران ترى في دعم الفصائل الفلسطينية أداة لتعزيز نفوذها الإقليمي، كما يحتاج الفلسطينيون إلى دعم دولة قادرة على توفير المال والسلاح.
فبعد السابع من إكتوبر من العام 2023، ربط المراقبون إيران بعملية “طوفان الأقصى”، رغم تأكيد طهران مرارًا أنها لم تكن تعلم بما سيحدث فجر ذاك اليوم.
فالتعقيدات الإقليميّة والدوليّة تجعل العلاقة بين الجمهورية الإسلاميّة والفلسطينيين، وخاصة حركة حماس محكومة بالتوازن ما بين الطموحات السياسية والمصالح الإقليميّة. فدعم طهران للمقاومة لم يكن يومًا مرتبطا بهوية الفصيل المقاوم أو توّجهه الفكري، سواء كان إسلاميّا أم يساريا أم قوميّا، بل هو قائم على مبدأ مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، مما جعل إيران تقف إلى جانب مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية منذ انتصار الثورة الإسلامية أي منذ 47 عامًا.
ولم يتأثر هذا الالتزام بتغير التيارات السياسيّة داخل إيران، سواء كان الحكم محافظا أو إصلاحيّا، فكلاهما يضع فلسطين في صدارة أولوياته، وإن اختلفت الأساليب. وقد شكّل “طوفان الأقصى” نقطة تحوّل إستراتيجية في مسار المقاومة، حيث انتقلت من الدفاع إلى الهجوم. رغم أن طهران، لم تكن على علم مُسبق بالعملية، فإنها استمرت في دعم خيار المقاومة، ووقفت إلى جانبها سياسيّا وإعلاميّا، إضافة إلى بقية أعضاء المحور في كل من اليمن ولبنان والعراق.
وكانت إيران، ما قبل الثورة، بعيدة جغرافيا وثقافيّا عن فلسطين بسبب سياسات النظام الملكي البائد المُوالي للغرب. لكن الثورة غيّرت التوجهات، فاهتم القادة الجدد بقضايا العالم الإسلامي وفلسطين، فقدمت دعما فكريا وعمليّا للقضية. كما عادت العلاقات مع التنظيمات الفلسطينية الإسلامية بُعيد انتهاء الأزمة السورية خلال العهد السوري البائد. وأكدت عملية “طوفان الأقصى” استمرارية الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية.
فقد أحدث “طوفان الأقصى” قبل عامين تغييراً جذرياً وعميقاً في المنطقة بأسرها، متجاوزاً حدود قطاع غزة، حيث دارت رحى الحرب التي أشعلتها “حماس”. وستبقى آثارها من التغييرات الضخمة التي شهدتها المنطقة. فقبل هجوم 7 أكتوبر، لم يتوقع أحد أن تشن إسرائيل هجوماً عسكرياً على الأراضي الإيرانيّة مثلاً.
وقد أدت التكتيكات الإسرائيليّة، إلى توتر العلاقات مع حليفها الأول واشنطن، لكن لا تزال العلاقة بين واشنطن وتل أبيب قوية حيث تلتزم الحكومتان بدعم خفيّ من عدد كبير من القادة العرب والإقليميين، وبجهودهم لضمان عدم تعافي إيران، وبتنسيق تام لمكافحة فصائل المقاومة.
وقد أظهرت تداعيات هجوم حماس في 7 أكتوبر مدى قدرة بعض الجهات على تشكيل تهديد، حيث أعرب الحوثيون في اليمن عن تضامنهم مع حماس بمهاجمة سفن تجارية عابرة للبحر الأحمر. وأدت هذه الهجمات إلى غرق العديد من ناقلات النفط، ودفعت خطوط الشحن العالمي إلى تغيير مسارها، وانخفضت حركة الملاحة عبر البحر الأحمر بنسبة 50% على الأقل. وشنّت الولايات المتحدة هجمات انتقاميّة على مواقع الحوثيين، بما في ذلك القصف.
ختامًا.. هل يمكننا الاستخلاص أن علاقة مد وجذر بين إيران والعرب ستبقى مستمرة نظرًا للخلافات الأساسيّة حول فلسطين والمقاومة والاحتلال؟ أم الأسباب مذهبيّة تاريخيّة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى