الفجر الجديدرأي خاص

“العمل البلدي: النواة الأولى للديمقراطية”

بقلم “القاضي الأستاذة هانيا الحسن

“لقد شهدت ربوع لبنان بمحافظاته ،كافة خلال شهر أيار، حدثاً ديمقراطياً وطنياً، بإنجاز إستحقاق الانتخابات البلدية والإختيارية، بعد تعطيل لتسع سنوات.

ينتخب المواطنون من يمثلهم في المجالس البلدية العائدة لكل قرية ولكل مدينة أو بلدة صغيرة أو كبيرة، والكل ينتخب على أساس آماله بالإنماء وسد الإحتياجات المباشرة للمواطنين من تنظيم مديني وإزالة نفايات، وطبابة وإضاءة شوارع وأحياء، وأمور خدماتية شتّى. والإنتخاب تجسيد مباشر للديمقراطية، المترسخة في الثقافة اللبنانية، وشدّد اللبنانيون في مقدّمة دستورهم بعد التعديلات الدستورية التي اتفق عليها بما يسمى ب “اتفاق” الطائف”، أنّ “لبنان” جمهورية ديمقراطية برلمانية” تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الإجتماعية..”.

كما جاء في مقدمة الدستور أنّ “الإنماء المتوازن للمناطق ثقافيا واجتماعيا واقتصاديًا ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”. والإنماء المتوازن هو واحد من أهم التعديلات التي أتى بها اتفاق الطائف، إذ أن ما عرف ببؤر “الحرمان في المناطق النائية وحزام البؤس” المحيط بالعاصمة تعد واحدة من المسببات الإجتماعية الخفيّة للحرب الأهلية التي لا يرغب أي لبناني بإعادتها.والإنماء المتوازن هو الهدف الأساسي الذي ينبغي للحكومات أن تحققه وأخفقت إلى الآن في تحقيقه بشكل مرض والإنماء المتوازن هو ما يصبو إليه اللبنانيون في إنتخابهم لمجالس بلدية محلية جديدة، إذ أن العمل البلدي، هو عمل إنمائي ،اجتماعي وإن البلدية هي الإدارة المحلية التي يناط بها، مع إدارات أخرى تحقيق إحتياجات كل منطقة كلّ مدينة أو بلدة صغيرة، بشكل ينعش مناطق لبنان كافةً، وليس فقط العاصمة والمدن الكبرى.

تاريخ لبنان عريق بعمل البلديات، حتى قبل نشأة هذا الوطن الصغير بحدودهالحالية.فأول بلدية في لبنان هي بلدية دير القمر التي أنشئت عام 1864، في ظل السلطنة العثمانية التي أوجدت السلطة المحلية في جبل لبنان، وباقي المقاطعات، تماشيا مع حركة التحديث والإصلاحات العثمانية منذ عام 1839 ، وذلك بهدف المراقبة المباشرة على استصلاح الأراضي الزراعية وتأمين ريعها لتعزيز الجباية والخزينة العامة.وكانت بلدية دير القمر أوّل مؤسسة بلدية فعلية على مستوى متصرفية جبل لبنان، فتأسّس “قومسيون” (أي انشاء لجنة مراقبة باسم مجلس بلدي مركب من “معتبري “البلدة وهم من ممثلي العائلات البارزة.وبلدية بيروت تأسست عام 1867 ، وتكوّن أعضاء مجلسها البلدي من أفراد من العائلات البيروتية، مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين، وخلال الحقبة الزمنية بين عامي 1867 و 1880، أنجز مجلس بلدية بيروت مشروعين حيويين مهمين، هما جرّ مياه الشرب إلى بيروت، وإنشاء مرفأ بيروت.

ثم لجأت السلطات العثمانية عام ،1864 ، في إطار سياسة الضبط والرقابة الحكومية على فلاحي الأرياف الزراعية وحرفتي المدن، إلى إستحداث أول مؤسسة قاعدية للسلطة تمثلت بالمختار والمجلس الإختياري، وكان المجلس الإختياري عبارة عن هيئة محلية مصغرة، وتؤمن الربط المباشر لإدارات الدولة بالقوة المنتجة الأساسية الفلاحية والحرفية والتجارية، وأعتبر المجلس الإختياري وعلى راسه المختار ليمثل تطورًا نوعيًا في جهاز السلطة، وأنيط بالمختار مهمة تقديم الوثائق الشخصية المتعلقة بسكان القرية، فكان سكان القرية أو الحي في المدينة ، لدى مراجعتهم الحكومة، يقدمون إثباتاً أو إفادة ممهورة بخاتم مختار قريتهم أو محلتهم. ومع تطور الزمن، ترسخت في الثقافة اللبنانية سلطات “المختار” و”المجلس البلدي” وظهرت هذه الشخصيات في أعمال فنّية تظهر هذه الشخصيات في مركز الثقة للسكان، مثل المختار في مسرحية “ميس الريم” الفيروزية.

ثم أتى الإنتداب الفرنسي، فوضع أسساً للترشح لعضوية مجالس المحافظات، وإنتخاب أعضاء مجالس المحافظات، ثمّ المجلس البلدي، فصار تحديد عضوية هذه المجالس يتمّ بالإنتخاب، وليس فقط بالتعيين، وجرت انتخابات للمجالس البلدية والإحتيارية، تحت حكم الإنتداب الفرنسي، عام 1925.

وبعد الإستقلال، صدرت قوانين للبلديات أخرها القانون الذي لا يزال سارياً، هو المرسوم الإشتراعي رقم (118) تاریخ 30/6/1977، وفيه حدد مفهوم البلدية أنها: “إدارة ذات صفة عامة وشخصية معنوية تتمتع بالإستقلال الإداري والمالي” أو “إدارة محلية تقوم ضمن نطاقها بممارسة الصلاحيات التي يخوّلها إياها القانون”، وهي تتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي والإداري في نطاق هذا القانون”، ولها صلاحيات واسعة مرتبطة مباشرة بالإنماء، ومن هذه الصلاحيات الشؤون الصحية العامة والنظافة العامة تنظيم وسائل المواصلات الأسواق العمومية المستوصفات والمستشفيات العمومية ،والمتاحف والمكتبات العامة والأندية والمؤسسات الإجتماعية تنظيم وسائل الإعلان مشاريع المياه والإنارة. والإنتخابات الحالية التي شهدتها البلاد، إنما تعكس عطش الناس للإنماء الفعلي، فقد بلغت نسب المشاركة نسباً عالية نسبياً، في المناطق، بينما سجلت نسب منخفضة في المدن كالعاصمة بيروت، ومدينة طرابلس.

إنما كيف ينتخب الناس مرشحيهم؟ أي ما الذي يضبط سلوكهم الإنتخابي ؟؟ لا شك يشكل الإنتماء العائلي، خاصة في القرى عاملا رئيسيا، بعيدا عن الإنتماءات الحزبية، أو السياسية وهذا إختلاف أساسي مع إنتخابات مجلس النواب وهذا ما لمسه أقطاب السياسة في عدة بلدات إذ أيقنوا أنّه يصعب عليهم فرض مرشحيهم الحزبيين في ظل تنافس بين عائلات ،البلدة واستقطاب أفراد كل عائلة لمرشحهم، بغض النظر عن الإنتماء الحزبي وهذا أمر بديهي في البلدات والقرى اللبنانية، وتاريخ بلديات ،لبنان يدلّ على أن إختيار أعضاء المجالس البلدية كان يتم من العائلات البارزة والفاعلة في المدينة أو القرية، كما يلعب الإنتماء الطائفي دورًا أساسيًا في توجيه سلوك الناخب، والسلوك الإنتخابي تحكمه “النكايات” في أحيان كثيرة، إذ ينتخب المواطن مرشحًا معينا لإقصاء مرشح أخر، وهذا السلوك الفطري ،العفوي، الذي يعتمده الناس بعيدا عن برامج إنمائية حقيقية، فقلما ينتخب الناس برنامجًا إنمائيا ، وحتى لوائح المرشحين لم تشكل على أساس برامج إنمائية، بل على أساس قدرة كل مرشح باستقطاب أصوات من طائفته أو عائلته، عدا عن “بركات” أهل السياسة على بعض اللوائح التي من شأنها جمع أصوات “حرزانة”.

ان وجود برامج إنمائية واضحة وتشكيل لوائح على أساس منهاج إنمائي واضح المعالم يجعل من المطالبة بإعتماد نظام الإقتراع النسبي، أكثر إستجابة فالإنتخاب يعكس تمثيل الناس وإختياراتهم في المجالس الإختيارية والبلدية المنتخبة، ومن الأسس الإنتخابية اليوم، أن “نظام الإقتراع النسبي” le scrutin proportionnel هو الأكثر تمثيلا لإرادة الناخبين من “النظام الأكثري” le scrutin majoritaire ويتطلب وجود لوائح يوحدها مشروع إنتخابي قائم على تلبية مصالح الناس ورؤية إنمائية. ورغم أن بلدنا عريق في تجربة البلديات إلا أن غياب الإتماء في الخطاب الإنتخابي لا يزال بارزًا خاصة في القرى، إنّما في المدن، قد تعكس المعارك الإنتخابية السلمية نزعة من المواطنين نحو التغيير وإعتماد وجوه جديدة تحقق الآمال العريضة في الإنماء وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فواحدة من أهم ظواهر الإنتخابات البلدية 2025 في الشمال، وعكار، وفي الميناء، أن شهدت بلدتان في عكار، هما “تكريت” و”بينو”، نجاحًا هاما لسيدتين، كرئيستي بلدية أما “التزكية” التي كانت ظاهرة أيضًا في بعض القرى في إنتخابات 2025، فقد تعكس توافقا بلديًا حول أشخاص محل ثقة، إنّما قد تكون نتيجة فرض إرادة ذوي النفوذ وتعطيل لإرادة الناخب الفعلية.

ان غیاب برامج إنمائية واضحة ورؤية إنمائية بارزة الملامح يعيق الإنماء المناطقي المنشود من المجالس البلدية، إنّما ما يعيق الإنماء الفعلي والسريع هو قانون البلديات عينه الذي يحتاج إلى تعديل وتحديث، نحو لامركزية أوسع، وهذا أمر غير خاف على أحد، إذ أن قانون البلديات الصادر عام 1977 يعتبر المدماك الأساسي للامركزية في لبنان، فقد توخى المشرعون حينها توسيع صلاحيات البلديات والتقليص من حصرية الإدارات المركزية في العاصمة، إلا أن عجلة اللامركزية توقفت ها هنا ولم يحصل أي تحديث للقانون منذ صدوره فأصبح حجر عثرة في طريق اللامركزية، وأصبح القانون وفق تعبير الدكتور ادمون نعيم لا يهش ولا ينش، في أحد لقاءاته الصحفية مع جريدة “الأنوار”.

ما الذي يعيق فعلا عمل البلديات الفعلي نحو اللامركزية؟

المال عصب الحياة العامة، ولا شك هو عصب العمل البلدي. لقد سبق أن كانت لي مع رفاق آخرين دراسة معمّقة عن البلديات، وتحديدًا عن مالية البلديات فوفق ،القانون واردات البلديات وفيرة وعديدة ومريحة للعمل البلدي فماليّة البلديات تتكوّن من الرسوم التي تستوفيها من المكلفين كرسم الإعلانات والرسم على المؤسسات الصناعية المصنفة الخ، ومن حاصلات أملاك البلدية كما تتكوّن مالية البلديات من المساعدات والهبات والقروض. إلا أن أية مساعدة مالية أو هبة تحتاج ضمن نصاب منخفض، إلى موافقة سلطة الوصاية لإقرارها وهنا يكمن أحد مكابح اللامركزية، إذ يوقع العمل البلدية ضمن الروتين الإداري ورقابة سلطة الوصاية على الإنفاق، وهذا برأيي يحتاج إلى تعديل وتحرير واردات البلديات من قيود الموافقة المسبقة، ما خلا الصفقات الضخمة ذات الأموال الباهظة.

ومن أهم عوائق العمل البلدي، ما يسمّى بالصندوق البلدي المستقل” الذي تضع وزارة الداخلية يدها عليه، وهو في الواقع مجموع الأموال العائدة لواردات البلديات، أي هي أموال عائدة للبلديات، ففي فترات زمنية متفاوتة، وطيلة سنوات أمتنعت وزارة الداخلية عن توزيع هذه الأموال إلى البلديات المستحقة، في ما يشبه “مصادرة “الأموال” مع ما يرافق هذه “المصادرة” من تجاذبات سياسية، وطائفية الخ…

وإن من أهم التعديلات التي ينبغي أن تُعتمد في أي قانون جديد للبلديات واللامركزية تحرير هذه الأموال العائدة للصندوق البلدي المستقل، من تبعيته إلى وزارة الداخلية أي أن يكون فعلًا “صندوقًا مستقلا” تصرف منه البلديات بشكل مباشر دون رقابة سلطة الوصاية أي وزارة الداخلية، عدا عن توسيع صلاحيات البلدية لتشمل قطاع الخدمات، لتأخذ بعضًا من صلاحيات الإدارات المركزية العائدة لمختلف وزارات الدولة، إلا أن هذا لا يعني غياب أيّة رقابة فمتى وُجد المال والإنفاق، ترافق معه الفساد ومن هنا ضرورة المساءلة والمحاسبة بشكل دوري، من قبل الأجهزة المختصة في الدولة، ومن قبل القضاء، الذي يمكن للناس الشكوى إليه في حال وجود اي خلل أو سوء تدبير من القيّمين على المجالس البلدية.

في الخلاصة، أجد أنه رغم الشوائب في الإنتخابات، فإن لبنان يبقى البلد الديمقراطي الأوّل في الشرق ولبنان بلد التنوع والأديان المتنوعة، والإنفتاح على الحضارات، سجل نجاحاً في الإنتخابات البلدية، ونجحت الديمقراطية فنقول مبروك للفائزين وألف مبروك للخاسرين لأنه بالمنافسة، يقدر الناس على تغليب، إختيارهم وفق ما يرتؤونه، ولا يخضعون للتزكية التي غالبا ما تكون خيار الأقوياء المفروض فرضاً واجباً على الناخبين أكثر منه توافقاً محلياً سلمياً وحضارياً، مع التطلع نحو قانون عصري جديد يعزّز اللامركزية، إنسجاما مع متطلبات العصر الحديث ويخفف من قيود سلطة الوصاية على البلديات كي تستعيد قدرتها على صنع القرار المحلي. وتبقى البلدية هي النواة الأولى للديمقراطية ويبقى الحكم المحلي أساس الديمقراطية والمشاركة والإنماء المتوازن والنشاط الإقتصادي، ويخرج المناطق البعيدة عن العاصمة، من حلقة التهميش. وينبغي أن يشكل العمل البلدي نقطة التحوّل نحو اللامركزية، التي أضحت تطوراً عالميًا نحو بناء الدولة الحديثة التي تقدّم خدمات سريعة ناجعة للمواطن بأقل كلفة ممكنة ودون تعقيدات سلطات الوصاية والروتين الإداري، وإحدى أهم صفات الإصلاح في النظام السياسي والإجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى