عكار… حين تصبح المواطنة سؤالًا وجوديًا

بقلم: نورا علي المرعبي
هناك أوطان تُقاس قوتها بما تملكه من اقتصاد وجيوش، وأوطان تُقاس بما تمنحه لمواطنيها من كرامة. أما لبنان، فقد وجد نفسه اليوم أمام اختبار أكثر تعقيدًا: هل ما زلنا نؤمن بأن المواطنة حق متساوٍ، أم أنها أصبحت امتيازًا تمنحه الجغرافيا والسياسة؟
هذا السؤال لا يولد من التنظير، بل من الواقع. ومن بين أكثر الأماكن التي تفرضه بإلحاح، تقف عكار، لا كمنطقة تحتاج إلى الشفقة، بل كمرآة تعكس علاقة الدولة بأطرافها، وعلاقة السلطة بالإنسان.
فعكار لم تكن يومًا عبئًا على لبنان. كانت خزانًا للعطاء. منها خرج العسكري الذي حرس الحدود، والمزارع الذي غذّى الأسواق، والمعلم الذي صنع أجيالًا، والطبيب والمهندس والعامل الذين حملوا الوطن على أكتافهم. ومع ذلك، بقي الإنسان العكاري ينتظر ما يجب ألا يكون محل انتظار: طريقًا آمنًا، ومستشفى قادرًا على إنقاذ الحياة، وتعليمًا وفرصًا تتيح له أن يحلم داخل وطنه، لا أن يبحث عن حلمه خارجه.
ليست المشكلة أن التنمية تأخرت، فالتأخير قد يكون نتيجة ظروف. المشكلة الحقيقية أن التأخير تحوّل إلى نمط، وأن الحرمان أصبح واقعًا موروثًا، حتى كأن أبناء عكار يرثون الانتظار كما يرثون أسماء عائلاتهم. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع؛ أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح غياب الدولة جزءًا من الحياة اليومية.
لقد تعاقبت على عكار وجوه سياسية كثيرة، وتبدلت الحكومات والبرامج والشعارات، لكن الإنسان بقي يسأل السؤال نفسه: لماذا لا ينعكس تمثيلنا السياسي على جودة حياتنا؟ هذا السؤال لا يستهدف أشخاصًا بعينهم، بل يطرح قضية أعمق تتعلق بوظيفة التمثيل السياسي نفسها. فالنائب لا يُقاس بعدد خطاباته، بل بقدرته على تحويل حقوق الناس إلى سياسات، والاحتياجات إلى خطط، والوعود إلى مؤسسات.
إن الدولة التي تكتفي بإدارة الأزمات، ولا تستثمر في الإنسان، تُنتج مواطنين يعتادون النجاة بدل أن يصنعوا المستقبل. وحين يصبح سقف الطموح هو الهجرة، لا لأن الإنسان لا يحب وطنه، بل لأنه لم يعد يجد فيه مساحةً لحلمه، فإن الخسارة لا تكون خسارة منطقة، بل خسارة فكرة الوطن نفسها.
من هنا، يصبح الحديث عن المواطنة الشاملة ضرورة وطنية لا ترفًا فكريًا. فالمواطنة ليست بطاقة هوية، ولا حقًا في الاقتراع كل أربع سنوات، بل هي شعور الإنسان بأن الدولة تراه، وتسمعه، وتحمي حقوقه، وتمنحه فرصًا متكافئة بغض النظر عن مكان ولادته أو انتمائه. وعندما يشعر المواطن أن عنوانه الجغرافي يحدد مستقبله، فإن العقد الاجتماعي بينه وبين الدولة يبدأ بالتآكل.
وعكار ليست مطالبة بمعاملة استثنائية، كما أنها ليست بحاجة إلى خطابات عاطفية. ما تحتاجه هو أن تصبح جزءًا من مشروع وطني يقوم على العدالة الإنمائية، والحوكمة الرشيدة، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في الإنسان. فالتنمية ليست تعبيد طريق هنا أو إنشاء مبنى هناك، بل بناء بيئة تُمكّن الإنسان من البقاء والإنتاج والمشاركة.
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس الفقر بحد ذاته، بل تطبيع الفقر. وليس الهجرة، بل تطبيع الهجرة. وليس التهميش، بل اعتياد التهميش، حتى يغدو الحرمان قدرًا لا قضية، ويصبح الصمت شريكًا في استمرار الأزمة.
ورغم كل ذلك، ما زالت عكار تمتلك ما لم تستطع سنوات الإهمال أن تنتزعه منها: إنسانها. وهذا الإنسان هو الثروة الحقيقية التي لم تُستثمر بعد. فإذا كانت الدول الحديثة تتنافس على جذب العقول، فإن لبنان لا يستطيع أن يستمر في خسارة عقول أبنائه، ولا سيما في مناطقه الطرفية، ثم يتساءل لماذا يتراجع.
إن مستقبل عكار لا يُبنى على المواسم الانتخابية، بل على رؤية وطنية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المركز والأطراف، وبين السلطة والمسؤولية. فالدولة العادلة لا تميز بين أبنائها، ولا تجعل الحقوق رهينة النفوذ، ولا تترك منطقة كاملة تعيش على أمل الوعود.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل صاحب قرار: هل نريد عكار أن تبقى رمزًا للصبر، أم أن تصبح نموذجًا للعدالة؟
لأن الأوطان لا تنهض عندما يعتاد الناس الحرمان، بل عندما تدرك الدولة أن كرامة الإنسان ليست بندًا في الموازنة، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الدولة، ومعنى المواطنة، ومستقبل لبنان.


