الفجر الجديدرأي خاص

الغاية تبرّر الحرب : الاقتصاد, القانون واللغة واعادة انتاج العنف

بقلم نعمت كروم

حين لا يُعرّف العنف بوصفه جريمة يُعاد إنتاجه داخل البنى التي تنظمه وتديره

تمثلات الاقتصاد في الحروب الحديثة

لم يغب عن مخططي الحروب تاريخيًا إلحاق هزائم اقتصادية بالخصوم إلى جانب الهزائم العسكرية، فإلى جانب صور الدبابات والمعدات العسكرية المدمرة، كانت صورة تدمير منشآت اقتصادية أحد العناوين البارزة في تقديم أدلة النصر والهزيمة.

غير أن هذه المقاربة، مع تحولات استراتيجية الحروب وتوسع مفاهيمها، تحولت معها المنشآت والمقدرات الاقتصادية إلى أهداف معلنة، تتغطى أحيانًا بصيغة الاستخدامات المزدوجة.

من الواضح اليوم أن الحروب لم تعد تُدار في ساحات القتال وحدها، بل أيضًا داخل البنى الاقتصادية، ويترجم هذا المنطق في الخطاب السياسي بشكل مباشر، كما في تصريحات دونالد ترامب حول حصار الموانئ الإيرانية والنفط الفنزويلي، مع ربط ذلك بمنطق التعويضات والتكاليف.

العقوبات الاقتصادية تُعد إحدى أبرز أدوات الحرب المعاصرة؛ فهي لا تصيب الجيوش مباشرة، بل تعيد تشكيل حياة المجتمعات عبر الضغط على الاقتصاد اليومي.

من هنا، لا يعود الحديث عن الحرب محصورًا في بعدها العسكري، بل في الكيفية التي تُنتج بها الحرب نفسها داخل البنية السياسية والاقتصادية.

هذا التحول يضع مفهوم القانون أمام اختبار مختلف؛ فالقانون لم يعد فقط أداة للمساءلة بعد وقوع العنف، بل جزءًا من النظام الذي يحاول تعريفه وضبط حدوده. وتعد محاكمات نورنبرغ لحظة تأسيسية في هذا المسار، لأنها نقلت المسؤولية من الدولة إلى الأفراد داخل البنية العسكرية والسياسية، مؤكدة أن تنفيذ الأوامر لا يلغي المسؤولية الشخصية، لكن هذا النموذج يظل مرتبطًا بما يحدث بعد الفعل، لا بالبنية التي تنتجه.

في الحروب المعاصرة لا يكون العنف حدثًا منفصلًا، بل عملية مستمرة تُنتج وتُدار عبر مستويات متعددة.

اقتصاد الظل وإعادة تشكيل الاقتصاد تحت العقوبات

يعاني الشعب الكوبي من آثار عقوبات اقتصادية طويلة الأمد، تشمل قيودًا على التجارة والمعاملات المالية، إضافة إلى معاقبة أي دولة تتعامل معه، ما ينعكس مباشرة على حياة السكان اليومية ويعمّق هشاشة الاقتصاد المحلي.

العقوبات الاقتصادية وأخلاقياتها تؤثر على الشعوب بصورة أكبر من تأثيرها على الأنظمة، فيما تمتلك الحكومات أساليب مختلفة للتحايل عليها.

ففي حالات مثل روسيا وإيران، تكشف التجربة عن مسار معاكس تمامًا؛ حين تُغلق القنوات الاقتصادية الرسمية ويتراجع الاستثمار والتبادل التجاري، ينكمش الاقتصاد المدني وتتآكل الطبقة الوسطى وتضعف المؤسسات الإنتاجية.

وفي الحالة الروسية مثلًا، تشير التقديرات إلى خسائر بشرية تقارب 1.2 مليون خسارة بشرية، بينهم 325 ألف قتيل، ما ينعكس على سوق العمل والإنتاج والضرائب. كما أدى النزيف السكاني إلى مغادرة ملايين البلاد، ما عمّق الضغط على الاقتصاد.

وفي الوقت نفسه، تُظهر العقوبات على إيران ضغوطًا تضخمية حادة وعجزًا ماليًا سنويًا يقدَّر بمليارات الدولارات، بينما يستمر الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة رغم الأزمة.

في مقابل ذلك، يتشكل ما يمكن وصفه باقتصاد صراع مُدار أمنيًا، حيث يصبح الصراع الخارجي عنصرًا وظيفيًا في إعادة إنتاج السلطة، ومبررًا دائمًا لتعزيز القبضة الأمنية.

اقتصاد الحرب كمنظومة ربح

تظهر الأرقام أن الحرب تحولت إلى نشاط اقتصادي مربح، إذ تتغذى الصناعات العسكرية الأميركية من الحروب المتكررة عبر عقود تسليح ودعم عسكري مستمر.

كما تشير التقديرات إلى أن الإنفاق العسكري العالمي يتجاوز 2.4 تريليون دولار سنويًا، بينما تتجاوز ميزانية الدفاع الأميركية وحدها 800 مليار دولار سنويًا، إضافة إلى مليارات تُصرف على برامج الدعم العسكري لحلفاء مثل إسرائيل، والتي تُقدّر بعشرات المليارات سنويًا على مدى عقود.

كل موجة تصعيد عسكري تؤدي إلى ارتفاع الطلب على الذخائر وأنظمة الدفاع، بما ينعكس مباشرة على توسع الإنتاج العسكري وزيادة أرباح قطاع الصناعات الدفاعية.

وفي هذا السياق، تتحول الحروب إلى جزء من دورة اقتصادية أوسع، تُعاد فيها تغذية سلاسل الإنتاج العسكري عبر التمويل العام والتسليح والتصعيد الميداني.

وفي الحروب الإسرائيلية على لبنان، على سبيل المثال، يتضح هذا الترابط بين التصعيد العسكري واستمرار تدفق عقود التسليح والدعم العسكري طويل الأمد، بما يعزز أرباح قطاع الصناعات الدفاعية.

يدفع المدنيون في لبنان الثمن الأكبر من تدمير منازلهم وبنيتهم التحتية، بينما يُمول المواطنون في الولايات المتحدة هذه الحروب عبر الضرائب، في وقت تُعاد فيه صياغة أولويات الإنفاق العام بما يجعل الموارد المخصصة للصحة والتعليم أقل حضورًا مقارنة بالإنفاق العسكري.

تمويل الحرب: الضرائب وإعادة توزيع الموارد

تتجاوز ميزانية الدفاع الأميركية حاليًا 800 مليار دولار سنويًا، ضمن منظومة إنفاق عسكري عالمي يتجاوز 2.4 إلى 3 تريليونات دولار سنويًا. وفي الوقت نفسه، تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات لدعم إسرائيل عسكريًا، ضمن التزامات تراكمية تقدَّر بعشرات المليارات سنويًا على مدى عقود.

وفي المقابل، يصل الدين العام الأميركي إلى مستويات قياسية تتجاوز 34 تريليون دولار، إضافة إلى تريليونات في ديون الأفراد وبطاقات الائتمان، ما يعكس مفارقة حادة بين توسع الإنفاق العسكري وتزايد الأعباء المالية داخل المجتمع نفسه.

في هذه المنظومة لا يبقى تمويل الحرب قرارًا سياسيًا مجردًا، بل يتحول إلى واقع يومي يشارك فيه الأفراد حتى حين يرفضونه أخلاقيًا؛ فشعب يعارض الحرب يجد نفسه ممولًا لها عبر الضرائب وإعادة توزيع الموارد.

اللغة وإعادة إنتاج العنف

لكن ما يجعل هذا العنف قابلًا للاستمرار ليس التمويل وحده، بل اللغة التي تعيد تشكيله.

فالبيت بما يحمله من ذاكرة يومية وتفاصيل حياة لا يُقصف فقط، بل يُعاد تسميته، فيتحول إلى”وحدة سكنية”، مصطلح بارد يختزل المكان إلى مساحة قابلة للتقييم. هنا لا يُمحى المكان فقط، بل يُنزع عنه معناه.

وعلى المستوى القانوني، تُستخدم مصطلحات مثل “الأعيان المدنية” لتحديد ما يُفترض حمايته، لكنها في الممارسة تصبح جزءًا من إدارة الدمار، حيث تُقاس الخسائر وتُصنّف، بينما يتراجع الإنسان أمام منطق الإحصاء.

وفي الخطاب العسكري والإعلامي، تُقدَّم الغارات بوصفها “عمليات دقيقة” و”نوعية”، بينما يُختزل المدنيون إلى “أضرار جانبية”.

وكما يشير جورج أورويل، فإن إفساد اللغة يؤدي إلى إفساد التفكير، وإذا فسد التفكير فُسدت القدرة على إدراك الواقع.

في النهاية، لا تبدو العدالة مسألة قانونية خالصة، بل نتيجة لتقاطع البنية القانونية مع آليات التمويل ومنطق اللغة. وعندما تُعاد صياغة العنف داخل هذه المنظومة، لا يُمحى العنف، بل يُنزع عنه وصف الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى