الفجر الجديد

مرآة الروح امام رحيل زياد الرحباني

مرآة الروح امام رحيل زياد الرحباني
مصباح العلي

ليست المسألة أنني كنت بارعاً مهنياً، أو أنني أتقنت اللغة والتحليل والكتابة.
هذه مجرد نتائج جانبية لمسار أطول وأكثر تعقيداً.
المسألة الحقيقية أنني كنت أحاول، منذ الطفولة، أن أفهم العالم وأن أجد مكاني فيه، لا أكثر.
يقولون إنني أستطيع تطويع اللغة، وإنني أرسم بالكلمات صورة دقيقة لما أريد قوله.
لكن اللغة بالنسبة لي لم تكن يوماً أداة مهنة فقط، بل محاولة دائمة للسيطرة على الفوضى.
فالإنسان عندما يكتب، لا يشرح العالم فحسب، بل يدافع عن نفسه في مواجهة العبث.
كل نص هو شكل من أشكال المقاومة الداخلية ضد الانهيار، وضد الخوف من العدم.
ويقولون أيضاً إنني بارع في التحليل، أصغي طويلاً، أراقب بصمت، ثم أقدّم الخلاصة في دقيقة واحدة.
ربما لأنني تعلمت مبكراً أن الحقيقة لا تسكن الكلام بل ما خلفه.
الناس يكذبون بلغتهم، لكنهم يفضحون أنفسهم بالإيماءات، بالصمت، بالارتباك، بنبرة الصوت، وباللحظة التي يشيحون فيها بنظرهم عنك.
كنت أبحث دائماً عن الإنسان المختبئ خلف الشخصية، وعن الخوف المختبئ خلف السلطة، وعن الهشاشة الكامنة حتى في أكثر الناس صلابة.
في العمق، لم أكن أبحث عن المعرفة بمعناها الأكاديمي.
لم أرد أن أكون مستودع معلومات، بل كائناً يعيش الأسئلة.
لهذا تنقلت بين رأس المال وتمرّد فريدريك نيتشه، بين جدل حسين مروة وقسوة مهدي عامل، ثم هربت إلى موسيقى الأخوان رحباني وسينما يوسف شاهين، لأن الفكر وحده لا يكفي لإنقاذ الإنسان.
الفلسفة تفسّر العالم، لكن الفن وحده يمنحه المعنى.
أما زياد الرحباني فكان شيئاً آخر تماماً.
لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب ساخر، بل مرآة جيل كامل عاش التناقض اللبناني حتى العظم.
في أعماله اكتشفنا أن السخرية ليست نقيض الحزن، بل شكله الأكثر نضجاً.
كان يضحك لأنه يعرف حجم المأساة، وكان يسخر لأنه أدرك باكراً أن الأوطان العربية تلتهم أبناءها ثم تطلب منهم التصفيق.
في مراهقتي، حلمت أن أصبح مخرجاً سينمائياً.
كنت مفتوناً بفكرة تحويل الحياة إلى مشهد، وتحويل الذاكرة إلى صورة قابلة للبقاء.
أفلام مثل إسكندرية… ليه؟ أو Cinema Paradiso لم تكن بالنسبة لي مجرد أفلام، بل محاولة للإجابة عن سؤال الوجود نفسه: لماذا نخاف من الزمن؟ ولماذا نحاول تخليد اللحظات وهي تموت أمامنا؟
ربما لهذا دخلت الصحافة لاحقاً.
كنت أظن أنني أكتب عن السياسة، لكنني في الحقيقة كنت أكتب عن الإنسان تحت ضغط السياسة.
عن هشاشته، ووحدته، وخوفه، وعن تلك المسافة المؤلمة بين ما يحلم به وما يعيشه فعلاً.
الحرب ظلمت جيلي، ليس لأنها قتلت الناس فقط، بل لأنها شوّهت الزمن نفسه.
جعلتنا نكبر بسرعة ونشيخ باكراً.
حرمتنا من حياة طبيعية، ومن حقّنا في السذاجة، وفي الأحلام البسيطة، وفي مستقبل واضح المعالم.
لهذا تحول التمرّد عندنا إلى غريزة بقاء، لا إلى موقف أيديولوجي فقط.
في شبابنا، كنّا نظن أن التاريخ يتحرك إلى الأمام، وأن الأفكار الكبرى ستنتصر في النهاية.
ثم اكتشفنا أن التاريخ أكثر قسوة وعبثية مما تخيّلنا، وأن الإنسان قد يخسر كل شيء دفعة واحدة: أوهامه، وأصدقاءه، وأحلامه، وحتى صورته عن نفسه.
اليوم، عندما أنظر حولي، أشعر أحياناً أن العالم الذي عرفناه انتهى فعلاً.
ماتت الأيديولوجيات الكبرى، وتحوّلت الثقافة إلى استهلاك سريع، وصار الضجيج أعلى من الفكر، والسخافة أكثر حضوراً من المعنى.
لكن الكارثة الحقيقية ليست في انهيار العالم، بل في اعتياد الناس على الانهيار حتى يصبح طبيعياً.
لهذا أخاف دائماً من خسارة نفسي.
فالإنسان لا يُهزم حين يفشل، بل حين يفقد قدرته على الدهشة، وعلى الحزن، وعلى الغضب الأخلاقي.
الهزيمة الحقيقية أن يتحول إلى كائن متصالح مع القبح.
ربما لهذا بقيت أتشبث بالكلمات، بالموسيقى، وببعض الذكريات القديمة التي تشبه الضوء البعيد.
ليس لأنني أؤمن بالنهايات السعيدة، بل لأنني أؤمن أن مقاومة القبح واجب أخلاقي حتى لو كانت الهزيمة محتملة.
وفي النهاية، أعود دائماً إلى تلك العبارة التي تختصر رحلة عمر كاملة، بصوت زياد الرحباني:
“كانت أحلامي أن أغيّر البلد… بات همّي ألا يغيّرني البلد.”
ربما هنا تكمن حكمة العمر كلها.
أن تنجو بروحك، في زمنٍ يحاول فيه الجميع سرقتها منك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى