وحدها العدالة المتوازنة تحمي الدولة

أحمد ظاظا يافاوي
11 أيار 2026
إنّ المطالبة بقانون عفو عام في لبنان لم يكن يومًا دعوة لحماية المجرمين والفاسدين و تجّار المخدرات والمهربين أومن نهبوا أموال الناس وودائعهم بالبنوك والمختلسين، بل كان منذ البداية صرخة في وجه الظلم اللاحق بالموقوفين الذين أمضى كثير منهم أكثر من عشر سنوات خلف القضبان من دون محاكمات عادلة و سريعة، في مخالفة واضحة لأبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
وما يزيد الشعور بالغبن لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وخصوصًا داخل الطائفة السنية، أنّ هناك من يحاول تصوير أي مطالبة بإنصاف هؤلاء الموقوفين وكأنها دفاع عن الإرهاب أو خروج على الدولة، بينما يتم في المقابل التساهل مع ملفات التهريب والفساد والمخدرات، وتُفتح أبواب التسويات أمام أصحاب النفوذ والمصالح. فالمشكلة ليست في العدالة، بل في غياب المساواة في تطبيقها، وفي شعور الناس أنّ هناك من يُحاسَب دائمًا، ومن يبقى دوما فوق المحاسبة .
إنّ الاعتراض الحقيقي ليس على الدولة، بل على ازدواجية المعايير. فكيف يمكن القبول ببقاء موقوفين لسنوات طويلة بلا محاكمات، فيما تُغلق ملفات أخرى بسرعة أو تُعالج بتسويات سياسية؟ وكيف يُطلب من الناس الثقة بالمؤسسات بينما يشعر قسم كبير منهم أنّ أبناءهم وحدهم يدفعون الثمن !
لقد شهد لبنان خلال عقود طويلة صراعات دامية ومواجهات شاركت فيها أطراف متعددة من مختلف الطوائف، وسقط خلالها قتلى من الجيش اللبناني ومن المدنيين، ثم جاءت التسويات والعفو والمصالحات لتطوي تلك الصفحات. أما اليوم، فيُراد إبقاء موقوفين لسنوات طويلة في السجون من دون أحكام عادلة أو محاكمات سريعة، وكأنّ العدالة تُطبّق على فئة دون أخرى.
إنّ المطالبة بالعفو عن الموقوفين الذين لم تُثبت إدانتهم و الذين طالت سنوات توقيفهم بشكل غير إنساني، لا تعني تبرئة المجرمين الحقيقيين، ولا حماية تجّار السموم الذين دمّروا المجتمع اللبناني بكل طوائفه، بل تعني المطالبة بعدالة متوازنة تفرّق بين المجرم الحقيقي وبين من تحوّل ملفه إلى قضية سياسية مفتوحة منذ سنوات.
ومن هنا، فإنّ المطلوب اليوم من النواب السنّة، ومن كل النواب الأحرار ومن مختلف الطوائف، أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية بالضغط عبر ممارسة أقصى أشكال الضغط السياسي والدستوري من أجل تحقيق العدالة حتى لو اضطروا لإتخاذ موقفًا جازما يصل لحد إستقالة جماعية تسقط الشرعية عن مجلس النواب في حال لم تتحقق مطالبهم بتطبيق الدستور وبتطبيق العدالة بالمساواة ودفاعًا عن حقوق الإنسان بإقرار حل عادل ومنصف لهذا الملف، ينهي معاناة الموقوفين وعائلاتهم، ورفضا لاستمرار التوقيف المفتوح بلا أحكام واضحة وسريعة.
إنّ استمرار أي سلطة في تجاهل معاناة الناس وملفات الموقوفين والمظلومين، وفي حماية منظومات الفساد والمحاصصة، يفقدها ثقة شريحة واسعة من اللبنانيين المؤمنين بالدولة القائمة على القانون والمساواة لا على النفوذ والانتقائية.
وحدها العدالة المتوازنة تحمي الدولة




