خاص الفجر الجديدرأي خاص

أمريكا والأمم المتحدة: تلاقي الفشل المحتوم

وسيم فؤاد الأدهمي

خاص- الفجر الجديد

هل يمكن تخيّل نقيضين يسيران جنبًا إلى جنب؟ أمريكا بقبعتها التجارية وعقلها الربحي، والأمم المتحدة بنصوصها الحالمة عن العدالة والكرامة والحق؟

في عهد دونالد ترامب، تحوّل هذا السؤال إلى مشهد عبثي، يكاد يستحيل معه تصديق أن من يريد “إصلاح” منظمة أممية هو ذاته من يشكك أصلاً بجدوى وجودها.

فترامب لم يكن، ولن يكون، نصيرًا للإنسانية. هو رجل صفقات، يختزل السياسة في جملة بنود: ربح، هيمنة، ومصلحة وطنية ضيقة تُفصّل على مقاس شركائه الماليين. خطته لإصلاح الأمم المتحدة، أو ما سمّاه بـ”الحَوكمة الفاعلة”، لم تكن سوى محاولة فظة لتقليم أظافر المنظمة، وجعلها أكثر طواعية لقرارات البيت الأبيض، لا أكثر شفافيةً ولا فعالية.

تقوم هذه “الحوكمة” على تفكيك البيروقراطية، كأنما العلّة في الورق لا في السلطة التي تريد وراثة صلاحيات القرار الأممي. وفي قلب هذه المسرحية، جُيّر الدور إلى الملياردير إيلون ماسك، وكأنه روبن هود الزمن النيوليبرالي، المطلوب منه أن يُصلح نظامًا لا يفقه في فلسفته شيئًا. لم يمضِ نصف عام حتى قفز من السفينة، تاركًا خلفه مشروعًا بلا روح ولا منطق، ومؤكدًا أن التقاء الطموح المالي الجامح بالشرعية الأممية سراب في صحراء أخلاقية.

أما السجل الأمريكي داخل الأمم المتحدة، فحدّث ولا حرج. من التهديد بقطع التمويل إلى الفيتو المكرر في خدمة إسرائيل، حيث مارست الولايات المتحدة – وبالأخص في عهد الجمهوريين – كل ما يتنافى مع روح الميثاق الأممي. لقد استحالت الأمم المتحدة، في لحظات كثيرة، إلى مسرح لعروض أمريكية أحادية، تُعلي من شأن “المصلحة القومية” على حساب الإنسانية الجماعية.

ولعل المفارقة الصارخة تكمن في ما فعله ترامب فور وصوله البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2025. بدلاً من مدّ اليد إلى المؤسسات الدولية، بادر بسلسلة انسحابات متتالية: من منظمة الصحة العالمية، من مجلس حقوق الإنسان، وقد يتبعها انسحاب من اليونسكو أو أي هيئة لا تُماشي هواه.

وما بين تل أبيب وواشنطن، تترنح المبادئ. كيف لدولة متهمة بالتحيز والانتقائية الفاضحة أن تدّعي إصلاح مؤسسة قائمة على الحياد والمشاركة الدولية؟ كيف يمكنها أن تتبنّى خطابًا إنسانيًا وهي تسلّح الاحتلال، وتقف سدًا منيعًا أمام أي محاولة لمساءلة جرائمه؟

ترامب أراد أن يُلبس الأمم المتحدة قناعًا أمريكيًا، وأن يحوّلها إلى أداة بيروقراطية تحت الطلب. لكن الأزمة أعمق من مجرد شخص، إنها أزمة نظام يرى العالم بعيون الدولار، ويقيس العدالة بميزان الربح والخسارة.

الميثاق الأممي – ذلك النص الذي صيغ بدماء حربين عالميتين – يبدو اليوم ورقة صفراء في مهب نزعات شعبوية عنصرية. جاء فيه: “نحن شعوب الأمم المتحدة… نؤمن بالحقوق الأساسية وكرامة الإنسان”… فكيف نصدق هذا، وترامب يطارد المهاجرين، ويحتقر اللاجئين، ويجعل من حقوق الإنسان سلعة قابلة للتفاوض؟

التهديد الحقيقي للأمم المتحدة لا يأتي من ضعفها، بل من سطوة دولة تحاول باستمرار تطويعها، وتجريدها من بعدها العالمي. أميركا ترامب لا تريد منظمة دولية، بل شركة عالمية تُدار من برج ترامب في نيويورك، لا من مبنى الزجاج في الأمم المتحدة.

ربما آن الأوان – لا لإصلاح الأمم المتحدة فقط – بل لحمايتها من طغيان الكبار، وابتزاز الأقوياء. لحظة المواجهة بدأت، ومعها يجب أن يُطرح سؤال: من يُصلح المُصلِح؟ وهل ما زال في العالم مكان لحلم اسمه “عدالة دولية”؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى