الفجر الجديد

المبادرة السعودية: هندسة التهدئة لا صناعة الحل

المبادرة السعودية: هندسة التهدئة لا صناعة الحل

مصباح العلي

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعود الحضور السعودي إلى الساحة اللبنانية من بوابة “إدارة الأزمة” لا “حلّها”. زيارة الموفد الأمير يزيد بن فرحان، وما رافقها من تقاطعات سياسية وأمنية، لا يمكن قراءتها كحراك دبلوماسي عابر، بل كمؤشر على إعادة تموضع عربي يسعى إلى تثبيت قواعد الاشتباك في لبنان، بانتظار نضوج تسويات أوسع في الإقليم.
المبادرة السعودية، كما تبدو من خلال المؤشرات المتقاطعة، تنطلق من مسلّمة أساسية: لا مجال اليوم لإعادة صياغة النظام اللبناني. من هنا، يُعاد تثبيت اتفاق الطائف كسقف سياسي للمرحلة المقبلة، ليس بوصفه حلًا نهائيًا، بل كإطار يمنع الانهيار الشامل. فالرياض، ومعها شركاء إقليميون ودوليون، تدرك أن أي محاولة للذهاب نحو “مثالثة” أو تعديل دستوري جذري ستفتح أبواب صراعات داخلية لا قدرة للبنان على تحمّلها.
في هذا السياق، يبرز عامل الاستقرار الحكومي كأولوية. الدعم غير المعلن لاستمرار الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام يعكس إدراكًا بأن البدائل غير متوفرة، وأن أي فراغ تنفيذي قد يهدد بانفلات سياسي وأمني. وقد جاء التواصل مع نبيه بري، وما حملته زيارة الوزير علي حسن خليل من رسائل، ليؤكد أن ضبط الإيقاع الداخلي يمر عبر تفاهمات الحد الأدنى بين القوى التقليدية.
غير أن العقدة الأساسية تبقى في مكان آخر: العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي وسلاح حزب الله. القراءة الأولية للموقف الدولي توحي بربط واضح بين المسارين، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالسلاح هنا ليس مجرد ملف لبناني داخلي، بل جزء من توازن إقليمي مرتبط بإيران. لذلك، فإن أي مقاربة واقعية لا بد أن تمر عبر مسار تدريجي، يبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار، ثم انسحابات مرحلية، وصولًا إلى بحث طويل الأمد في ترتيبات أمنية أوسع.
في المقابل، يبدو أن هناك شبه إجماع إقليمي على منع الانزلاق نحو الفتنة الداخلية. هذا “الفيتو” غير المعلن على الحرب الأهلية يعكس تقاطع مصالح بين قوى متناقضة، من السعودية إلى مصر، وربما ضمنيًا مع إيران. فالجميع يدرك أن تفجير الداخل اللبناني لن يبقى محصورًا ضمن حدوده، بل سيتحول إلى تهديد إقليمي مفتوح.
الدخول السعودي – المصري على خط الأزمة يحمل بعدًا مزدوجًا: من جهة، يهدف إلى كسر أي محاولة لاستفراد لبنان بالضغط، خصوصًا من قبل إسرائيل؛ ومن جهة أخرى، يسعى إلى إعادة ضبط الخطاب الداخلي، سواء على مستوى السلطة أو المعارضة، بما يخفف منسوب التوتر ويمنع التصعيد السياسي. هذا الدور لا ينفصل عن تنسيق واضح مع باريس، التي لا تزال ترى في لبنان مساحة نفوذ تاريخي، كما لا يمكن فصله عن قنوات التهدئة المستجدة بين الرياض وطهران، وإن بقيت ضمن حدود إدارة الخلاف لا حله.
أما في الجانب الإسرائيلي، فإن سلوك حكومة بنيامين نتنياهو يظل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة. فالرجل الذي يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، بينها حسابات مرتبطة بشخصيات مثل دونالد ترامب، قد يلجأ إلى التصعيد أو التهدئة وفق ما تمليه مصلحته السياسية، ما يجعل أي رهان على التزام إسرائيلي طويل الأمد محفوفًا بالشكوك.
في المحصلة، لا تحمل المبادرة السعودية حلًا جاهزًا للبنان، بل تؤسس لمرحلة “إدارة الاستقرار الهش”. إنها محاولة لشراء الوقت، ومنع الانهيار، وترتيب الأولويات على قاعدة: تثبيت وقف إطلاق النار أولًا، الشروع في انسحابات تدريجية ثانيًا، وترك الملفات الكبرى – وفي مقدمتها سلاح حزب الله – إلى طاولة مفاوضات إقليمية أوسع.
لبنان، في هذه اللحظة، ليس ساحة حلول بل ساحة انتظار. والمبادرة السعودية، بكل ما تحمله من رسائل، ليست نهاية الطريق، بل بداية مسار طويل عنوانه: تجميد الأزمات بدل تفجيرها، إلى أن تتضح ملامح الشرق الأوسط الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى