عالم الإنسان في القرآن الكريم

بقلم باسل هيثم كبارة
لم يُخلق الإنسان ليعيش منفردًا أو منعزلًا عن غيره، بل فُطر على الحاجة إلى الآخرين، لأن طبيعته البشرية قائمة على الضعف والاحتياج والتكامل. فالإنسان مهما بلغ من قوة أو علم أو مال، يبقى عاجزًا عن تأمين جميع حاجاته بنفسه، ولذلك كان الاجتماع البشري ضرورة من ضرورات الحياة، لا مجرد خيار اجتماعي. ومن هنا نشأت المجتمعات وتكوّنت الحضارات، حيث يتعاون الناس فيما بينهم ويتقاسمون الأعمال والمسؤوليات.
وقد أدرك الفلاسفة القدماء هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، وعلى رأسهم أفلاطون الذي تحدث عن ضرورة اجتماع البشر، ورأى أن الإنسان لا يستطيع أن يحقق حاجاته وحده، بل يحتاج إلى غيره في مختلف شؤون الحياة، ولذلك تقوم المجتمعات على مبدأ تقسيم العمل وتبادل المنافع بين الأفراد، وهو ما يُعرف بمبدأ تقسيم العمل (The Principle of Division of Labor). فكل فرد يكمّل الآخر، وتتداخل الأدوار لتستمر الحياة بصورة متوازنة.
غير أن القرآن الكريم، إلى جانب بيانه لضعف الإنسان وحاجته، أشار أيضًا إلى ما منحه الله لهذا المخلوق من نعم عظيمة تعوّض جوانب ضعفه، وفي مقدمة هذه النعم العقل والقدرة على البيان والحجة والتفكير. فالإنسان ليس مجرد كائن ضعيف، بل هو مخلوق مكرّم بالعقل والإرادة والوعي، يستطيع أن يميز بين الخير والشر، وأن يبني الحضارات ويطوّر الحياة.
وقد وصف القرآن طبيعة الإنسان النفسية والفكرية وصفًا دقيقًا، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾
سورة الكهف: 54.
فالإنسان بطبعه يميل إلى الجدل وكثرة النقاش، ويحاول دائمًا الدفاع عن آرائه ومواقفه، حتى وإن كان مخطئًا أحيانًا. وهذه الصفة قد تكون إيجابية إذا استُعملت في البحث عن الحقيقة، وقد تكون سلبية إذا تحولت إلى مكابرة وعناد.
كما يبين القرآن أن الإنسان يدرك حقيقة نفسه من الداخل مهما حاول إخفاءها أو تبرير أخطائه، قال تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾
سورة القيامة: 14-15.
فهذه الآية تؤكد أن ضمير الإنسان شاهد عليه، وأنه يعرف حقيقة أفعاله ونواياه، حتى وإن حاول أن يقدّم الأعذار أمام الناس.
ومن الصفات التي أشار إليها القرآن أيضًا صفة البخل والخوف من فقدان النعمة، قال تعالى:
﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾
سورة الإسراء: 100.
فالإنسان بطبيعته يخشى الفقر ويميل إلى الإمساك، إلا من هذّبه الإيمان وربّته القيم الروحية والأخلاقية.
وهكذا يقدم القرآن الكريم صورة متكاملة عن الإنسان؛ فهو كائن ضعيف يحتاج إلى المجتمع، لكنه في الوقت نفسه مكرّم بالعقل والإدراك. وهو ميّال إلى الجدل، وعارف بنفسه، وقد تغلب عليه الأنانية أو البخل، إلا أن الهداية الإلهية قادرة على تهذيب هذه الصفات ورفع الإنسان إلى مراتب سامية من الأخلاق والوعي والمسؤولية.




