رأي خاص

الشمس هبةُ الله…والدولة اللبنانية تشارك الشعب اللبناني في هبة الله إليه.

أحمد خالد يافاوي

بعد أن حُرم اللبناني من الكهرباء والمياه، واستنزفته فواتير المولدات والاشتراكات، لجأ إلى الشمس بحثًا عن حقه الطبيعي في الكهرباء. لم يطلب دعمًا من أحد، ولم يمد يده إلى الدولة، بل استثمر من ماله الخاص ليؤمّن لعائلته الحد الأدنى من الحياة الكريمة. لكنه فوجئ بأن حتى هذا الخيار بات محاطًا بإجراءات وشروط يراها كثيرون معقدة ومكلفة.
فهل أصبح على المواطن أن يستأذن ليستخدم ضوء الشمس بعد أن عجزت الدولة عن تأمين الكهرباء؟ أم أن كل باب يحاول المواطن أن يفتحه للخلاص يجب أن يُغلق في وجهه ألف باب بالرسوم والإجراءات والعراقيل؟
المشكلة لم تعد في ورقة أو معاملة أو ترخيص، بل في نهج حكم يشعر معه المواطن بأن كل حق طبيعي يمكن أن يتحول إلى مصدر جباية، وكل أزمة إلى فرصة لزيادة الأعباء عليه.
لقد أصبحت العلاقة بين الدولة والمواطن مقلوبة. الدولة تقصّر في الكهرباء، والمياه، والبنى التحتية، والطرقات، والأمن الاجتماعي، ثم تعود لتفرض المزيد من الالتزامات على المواطن، فيما يبقى التقصير بلا محاسبة، والفساد بلا عقاب.

لا يمكن بناء وطن بهذه الطريقة. فلا يجوز أن يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن الكهرباء مرتين، وثمن المياه مرتين، وثمن الأمن من جيبه، ثم يُطلب منه أن يدفع مرة جديدة عندما يحاول أن ينتج الكهرباء من الشمس.
إن الدولة ليست جابيًا للرسوم، بل ضامنة للحقوق. ومتى عجزت عن أداء واجباتها، يصبح واجبها إزالة العقبات أمام المواطنين، لا مضاعفتها.
إن مجلس الوزراء، والوزارات المختصة، ومحافظة بيروت، والبلديات، والسلطات الرقابية، والنواب المنتخبين، وكل مسؤول يتولى إدارة الشأن العام، مدعوون إلى مراجعة هذه السياسات، وتبسيط الإجراءات، وإزالة كل ما يرهق المواطن دون مبرر، ووضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار آخر. فوظيفة السلطة خدمة الناس، لا تعقيد حياتهم.
لقد تعب اللبناني من أن يكون دائمًا الحلقة الأضعف. تعب من أن يدفع ثمن كل فشل، ومن أن يتحمل نتائج كل خلاف سياسي، وكل إدارة سيئة، وكل قرار لا يراعي معاناته.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الغضب فقط، بل موقف وطني جامع. موقف يدافع عن حق المواطن في العيش الكريم، ويطالب بدولة تحترم العقد الذي يربطها بشعبها.
إن لكل مواطن الحق في الاعتراض السلمي، وفي المطالبة بحقوقه، وفي اللجوء إلى القضاء، وفي مخاطبة ممثليه المنتخبين، وفي المشاركة في الحملات المدنية، وفي استخدام كل الوسائل القانونية والدستورية المشروعة للضغط من أجل الإصلاح والمحاسبة. فالديمقراطية لا تقوم على الصمت، بل على المشاركة والمساءلة.
ولا يمكن أن تستمر معادلة تقوم على دولة تُقصّر في واجباتها، فيما يبقى المواطن مطالبًا بأداء كل ما عليه دون أن يحصل على أبسط حقوقه.
إن الوطن لا يُبنى بالمحسوبيات، ولا بالمذهبية، ولا بالمناطقية، ولا بتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة. الوطن يُبنى عندما يصبح القانون واحدًا على الجميع، والخدمة العامة حقًا لكل مواطن، لا امتيازًا لمن يملك نفوذًا أو واسطة.
لقد آن الأوان لأن تتحمل الدولة مسؤولياتها كاملة، وأن ينهض القضاء والأجهزة الرقابية والسلطات التشريعية والتنفيذية، كلٌّ بدوره، في حماية حقوق المواطنين، ومحاسبة أي تقصير أو فساد وفق القانون.
فالشعب لا يطلب المستحيل. يريد فقط دولة تؤدي واجباتها قبل أن تطالبه بواجباته، ودولة تحمي حقه في الحياة الكريمة بدل أن تجعله يشعر بأن كل نافذة خلاص تتحول إلى باب جديد من الأعباء. فإذا كانت الشمس هبةً من الله لكل البشر، فلا يجوز أن تتحول في وطننا إلى ملف جديد تُثقل به كاهل المواطن.
*أما آن لهذا الشعب أن يقول: كفى؟ أما آن له أن يرفض الذل والجوع والابتزاز؟ فلا الدموع أعادت من مات مقهورًا، ولا بيانات الشجب أنصفت مظلومًا، ولا التوسل أشبع جائعًا افترش قارعة الطريق. إن الحقوق لا تُستعاد بالاستسلام، بل بوقفة وطنية جامعة، وباعتراض سلمي واسع، وبممارسة كل حق يكفله الدستور والقانون في مواجهة الفساد والتقصير، حتى تقوم دولة العدالة مكان دولة *المحاصصة، ودولة المواطنة مكان دولة المزرعة، ودولة الحقوق مكان دولة الجباية*.

أحمد خالد يافاوي
الأحد ١٩ تموز ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى