رأي خاص

يدفعون ثمن الخوف ولا يعترفون بالحق بزبينا بين الواقع والذاكرة



مصباح العلي


ارتبط تعلّقي ببزبينا بذاكرة سبقت إدراكي الكامل للزمن والمكان. كنت في الخامسة من عمري حين بدأت القرية تتسلل إلى تكويني الداخلي، لا بوصفها جغرافيا فقط، بل بوصفها المعنى الأول لفكرة الانتماء. في ذلك العمر، لا يتذكر الإنسان الوقائع بقدر ما تختزن روحه الإحساس الأول بالأشياء: رائحة التراب بعد المطر، صدى الأجراس البعيدة، ظل الأشجار، دفء الخبز، ووجوه الناس التي تبدو في الطفولة وكأنها جزء من الطبيعة نفسها.

ثم مضى العمر. غادرت بزبينا، أو ربما غادرتني الحياة بعيدًا عنها. وبين طفل في الخامسة ورجل عاد إليها في الخمسين، امتد نصف قرن من الحنين والغربة والأسئلة المؤجلة. خمسون عامًا كنت خلالها أحمل القرية داخلي كأنها فكرة أكثر منها مكانًا، وكأن الإنسان لا يعيش في الأمكنة بقدر ما يعيش في ظلالها التي تبقى عالقة في ذاكرته.

لهذا لم تكن بزبينا بالنسبة إليّ مجرد قرية في عكار، بل استعارة عن “الفردوس الأول” الذي يتحدث عنه الفلاسفة والشعراء حين يصفون لحظة البراءة التي يخسرها الإنسان إلى الأبد. فالإنسان لا يحنّ إلى المكان فقط، بل يحنّ إلى نفسه القديمة داخله. إلى ذلك الكائن البسيط الذي كان يظن أن العالم واضح، وأن الخير يمكن أن ينتصر بسهولة، وأن الناس أقل قسوة مما يصبحون عليه لاحقًا.

ربما لهذا التصقت روحي مبكرًا بأعمال مثل “بنت الحارس” و”والضيعة بألف خير”. لم أكن أشاهدها كأعمال فنية فحسب، بل كأنها استعادة لذاكرة ناقصة أحاول ترميمها. كانت تلك الأعمال تقدم “الضيعة اللبنانية” بوصفها عالمًا أخلاقيًا أكثر منها مكانًا جغرافيًا: المختار، الحلاق، الساحة، الجيران، النساء اللواتي يعرفن أخبار الجميع، والرجال الذين يختلفون نهارًا ثم يجلسون معًا مساءً تحت شجرة التوت.

في “والضيعة بألف خير”، كانت القرية تبدو كأنها الزمن حين كان الإنسان أقل اغترابًا عن نفسه. أما في “بنت الحارس”، فقد ظهر الوجه الآخر للبنان القرى: السلطة الصغيرة التي ترتدي قناع الأبوة، والخوف الذي يحكم الناس أكثر من القوانين نفسها.

البلدية في الفيلم لم تكن مجرد تفصيل كوميدي أو إداري، بل كانت صورة كاريكاتورية عن السلطة اللبنانية كلها. سلطة تعرف هشاشتها، لذلك تبالغ في استعراض قوتها. رجال يتصرفون كأنهم حرّاس الحقيقة فيما هم في العمق أسرى خوفهم ومصالحهم الصغيرة. ولهذا جاءت عبارة فيروز الخالدة كأنها خلاصة فلسفية لواقع اجتماعي كامل: “يدفعون ثمن الخوف ولا يعترفون بالحق”.

هذه العبارة لا تصف شخصيات الفيلم فقط، بل تصف جانبًا عميقًا من المأساة البشرية نفسها. فالإنسان غالبًا لا يخسر الحقيقة لأنه يجهلها، بل لأنه يخاف منها. يدفع ثمن صمته، ثم يحاول إقناع نفسه أن الصمت كان حكمة. وربما لهذا تبدو القرى اللبنانية، رغم جمالها، مثقلة دائمًا بشيء من الحزن الصامت؛ لأنها تحفظ تناقضات البشر داخل مساحة ضيقة لا تسمح للهروب من الذاكرة.

حين عدت إلى بزبينا في الخمسين، شعرت أنني لا أعود إلى مكان، بل إلى زمن مفقود. كنت أبحث عن الطفل الذي تركته هناك قبل عقود، وعن تلك النظرة الأولى إلى العالم قبل أن تفسدها السياسة والحروب والمدن والخيبات. لكن العودة كشفت لي الحقيقة القاسية التي يتحدث عنها الفلاسفة دائمًا: لا أحد يعود فعلاً إلى المكان نفسه، لأن الأمكنة تتغير، ولأننا نحن أيضًا نصبح أشخاصًا آخرين.

اكتشفت أنني كنت أعيش طوال تلك السنوات على صورة متخيلة لبزبينا، صورة صنعتها طفولتي من جهة، وصنعتها فيروز والرحابنة وأعمال تلفزيون لبنان من جهة أخرى. كنت أبحث عن قرية تشبه الحلم أكثر مما تشبه الواقع. عن عالم ما قبل الانهيار الكبير، حين كان الإنسان ما يزال قادرًا على الجلوس أمام بيته مساءً من دون خوف من الغد.

لكن ربما تكمن قيمة الأمكنة في أنها لا تبقى كما هي. فلو بقيت ثابتة لفقدت قدرتها على إيلامنا وإعادتنا إلى ذواتنا الأولى. الأمكنة الحقيقية ليست تلك التي نسكنها، بل تلك التي تسكننا حتى بعد أن تتغير بالكامل.

لهذا بقيت بزبينا بالنسبة إليّ أكثر من مجرد قرية. بقيت سؤالًا فلسفيًا عن الزمن، وعن معنى الانتماء، وعن الإنسان الذي يقضي عمره كله محاولًا العودة إلى شيء يعرف في أعماقه أنه لن يعود كما كان أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى