ثقافةرأي خاص

عن كتاب اهل الماء والنار

بقلم الناقدة الفنية اردا كاششيان

يأتي كتاب أهل الماء والنار لطارق عريس بوصفه نصًا يتحرّك خارج الزمن الخطي، كأنه آلة للزمن والمكان تعيد القارئ مرارًا إلى نقطة البداية، لا من أجل التكرار، بل من أجل الفهم. فالكتاب لا يقدّم يوميات فتى عاش الحرب الأهلية في بيروت بوصفها شهادة تاريخية، بل كمسار نفسي تتشكّل فيه الذاكرة عبر العودة، والتردّد، والانكسار، وإعادة السرد. هنا يتحقّق الانتقال التدريجي من الساقي الصغير، حامل التجربة الصامت، إلى الراوي الكبير القادر على النظر إلى ذاته من مسافة.
الطفل في هذا النص ليس مجرد ذات سردية، بل كيان مفتوح على العالم. عيناه الزرقاوان، الموروثتان عن الأم، تنفتحان على الواقع كالنافذة، وفي هذا الإرث البصري يكمن لعب دلالي عميق: الأم (mère) والبحر (mer) يتداخلان، يتشابهان، ويتنازعان موقع الحماية والتهديد. فالزرقة هنا ليست لونًا فحسب، بل أثرًا عاطفيًا، وامتدادًا نفسيًا لعلاقة أولى غير مستقرة، علاقة تحمل في آنٍ واحد الاحتواء والتوتر.
يشكّل بحر بيروت أحد أهم الرموز في الكتاب. هو الملاذ، والشاهد، والمساحة التي يلوذ بها الطفل بعيدًا عن ضجيج الحرب. غير أن هذا البحر لا يظل ثابتًا في وظيفته الرمزية، إذ ينقلب أحيانًا إلى الأم الغاضبة التي تأنّب أولادها، فتظهر العلاقة معه بوصفها علاقة إشكالية، مزدوجة، تشبه في بنيتها العلاقات الأولية مع الأم كما يصفها التحليل النفسي، وفقًا لفرويد، يحيل الماء إلى الأمان الأولي والعودة إلى الرحم، بينما يرى يونغ فيه صورة للاوعي، للعاطفة العميقة، ولإمكانية التحول والتجدد. في «نار وماء»، يجتمع هذان البعدان ليصبح البحر مرآة للداخل النفسي للطفل، ولتقلباته بين الطمأنينة والخوف.
الكتابة نفسها تتحوّل إلى أداة تحليل. فالنص لا يتقدّم بسرد خطي، بل عبر مقاطع، شذرات، واستعادات، في حركة تشبه جلسات التحليل النفسي. الحكاية لا تُروى دفعة واحدة، بل تظهر، تختفي، تعود، وتتشكّل من جديد. السرد هنا فعل إنصات للذاكرة، ومواجهة بطيئة مع ما هو مكبوت، غير محسوم، أو مؤلم. الراوي لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترب منها عبر اللغة، عبر التردد، وعبر الاعتراف غير المباشر.
في هذا السياق، يصبح قلم طارق عريس عصا موسى رمزية؛ عصا لا تشق البحر فحسب، بل تشق المعنى من التجربة، وتحوّل اليومي والهش إلى مادة للتأمل. ليست المعجزة في تجاوز الألم، بل في القدرة على تسميته، والنظر إليه، وإعادة صياغته سرديًا. هكذا تتحول الحرب من حدث خارجي إلى تجربة داخلية، وتتحول الطفولة من زمن مفقود إلى حقل أسئلة مفتوحة.
«نار وماء» ليس كتاب حنين، ولا سيرة ذاتية تقليدية، بل نصّ نفسي–سردي، يضع القارئ داخل حركة الذاكرة نفسها، ويدعوه إلى المشاركة في عملية الفهم. إنه كتاب عن الطفولة بوصفها جرحًا مفتوحًا، وعن البحر بوصفه أمًا وملاذًا وتهديدًا، وعن السرد كفعل نجاة، يشبه في عمقه جلسة طويلة عند المحلل النفسي، حيث لا يُطلب الشفاء السريع، بل الفهم، والاعتراف، وإعادة بناء الذات عبر الحكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى