الفجر الجديد

التنور: سيرةُ مكان تختزل تاريخًا غير محسوب زمنيًا

التنور: سيرةُ مكان تختزل تاريخًا غير محسوب زمنيًا
مصباح العلي
الأماكن التي نشتاق إليها لا تعود.
تسترجعها كلمة، أو رائحة، أو صوت بعيد، فنشتهي لو أن الزمن يعيد دورته إلى الوراء، ولو لبرهة قصيرة، لكن الزمن لا يعود، تمامًا كما لا يمكن تجنّب الموت.
الأماكن تندثر كما تندثر ضحكات ناسها، ويبتلعها العمر بصمتٍ يشبه ابتلاع البحر لحجارة الشاطئ؛ ببطء، ودون ضجيج.
تخيّلوا فقط خلافًا عقاريًا محتدمًا على موقع التنور، فتخال المشهد أقرب إلى منصة الأمم المتحدة أو طاولة جامعة الدول العربية، لا إلى بقعة ترابية صغيرة كانت يومًا قلب الحارة النابض.
وما التنور في حقيقته سوى مصطبة طينية اختزنت حيوات نساء عشن ورحلن بلا صخب، نساء عجَنَّ الحب بالطحين والماء، وخبزن أعمارهن على نار الحطب، وبرّرن دموع القهر بأنّها من دخان التنور لا أكثر.
هناك، عند فوهة النار، كانت الأمهات يرمين أنوثتهن وأعمارهن حطبًا لأجل الأولاد.
في الظاهر، كان التنور يخبز الأرغفة والأفراح، لكنه في العمق كان التعبير الأكثر قسوة عن ضيق اليد، وعن العجز عن شراء الخبز الأبيض الجاهز، وعن فقرٍ معممٍ كان الناس يخفونه بالرضا والصبر والإيمان بأن “الستر من الله”.
كانت أصوات “نسيس” السيكون في صباحات بزبينا الباكرة إعلانًا غير مكتوب عن صبحية تنور عامرة.
صوت النار المختلطة بالحطب، قرقعة الشوبك فوق الطبلية، حركة الطارة بين الأيدي الخبيرة، كلها كانت تؤلف موسيقى ريفية لا يمكن لأي مدينة أن تفهم معناها الحقيقي.
أم احمد تتحرك بعصبيةٍ سريعة، عكس هدوء أم عبد الحميد ، وبينهما جيل كامل من النساء يتعلمن أسرار “حلّ العجين”، وخفايا النار، ومتى يجب أن يُقلب الرغيف كي لا يحترق وجهه الأول ويبقى وجهه الثاني نيئًا.
كان ذلك علمًا غير مكتوب، تنتقل أسراره من يدٍ إلى يد، ومن ذاكرةٍ إلى أخرى، كأنه جزء من شيفرة البقاء في القرى المنسية.
أما الأطفال، فكان الصباح بالنسبة إليهم عيدًا صغيرًا.
الحارة التي تبدو في الأيام العادية كبيتٍ واحد بمنازل كثيرة، تتحول إلى ملعب مفتوح للعبث والفوضى.
النار نفسها تصبح لعبة، والعجين يتحول مادة للضحك والتخريب، ولا أحد يكترث كثيرًا للتوبيخ أو العقاب، لأن النساء منشغلات حتى الظهيرة بطقوس الخبز، وكأن الزمن في تلك الساعات يتوقف احترامًا لقدسية الجوع.
وكان تراكم الأرغفة فوق القماش الأبيض يشبه تراكم الأيام في حياتنا.
رغيف فوق رغيف، كما سنة فوق سنة، حتى يصبح العمر كله كومة ذكريات دافئة سرعان ما تبرد.
ثم تعود بعد ثلاثين أو أربعين عامًا إلى المكان ذاته، فلا تجد التنور، ولا الطبلية، ولا أصوات النسوة، ولا حتى رائحة الحطب.
تجد فقط أثرًا موجعًا لطفولة بعيدة، وذاكرة تقف عاجزة أمام حقيقة أن الأمكنة، مثل البشر، تموت هي أيضًا… لكن دون جنازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى