تحت جبة الخوري ابراهيم نصار… عالم من التسامح

تحت جبة الخوري ابراهيم نصار… عالم من التسامح
مصباح العلي
كان الخوري إبراهيم نصار أول رجل دين يدخل ذاكرتي لا بوصفه رجل كنيسة فقط، بل بوصفه جزءاً من تكوين العالم نفسه.
في طفولتي، كنت أظن أن الأشياء خُلقت كما هي: الحارة، البيوت الحجرية المتلاصقة، أصوات النسوة في الصباح، رائحة الخبز والتبغ و القهوة ، وشخص الخوري إبراهيم بجبته السوداء الطويلة، كأنه امتداد طبيعي للمكان، مثل شجرة الجوز معمّرة أو جرس الكنيسة الذي يختلط صداه بريح الجبل.
في تلك الحارة الصغيرة من بزبينا، حيث كانت الجدران المشتركة تختصر المسافات بين الناس، لم تكن الحياة تعرف التعقيد الذي اكتشفناه لاحقاً.
الأطفال يومها لم يكونوا يعرفون معنى الطوائف، ولا يدركون أن البشر قادرون على الكراهية المنظمة. كنا نرى العالم ببساطة الكائنات الأولى، قبل أن يفسده الطمع والخوف والعصبيات.
أتذكر ” درج الدار” و خطوات جدي حسن ، كانت بضع درجات كأنها حافة العالم، كما بوابة منزلنا التي تبدو كمعبر نحو السماء. هناك كنت مع اختي ناهد ننتظر عودة أبي، أونراقب الطريق بلهفة الاطفال تختصر أحلامهم بكمشة فستق عبيد او بقرن بوظة يحمله بائع يجوب الضيعة بدراجته النارية في ظهيرات الصيف.
كانت الحياة أفقر من أن تحتمل الترف، لكنها أغنى من أن يسكنها الحقد.
لم يكن الناس هناك أبطالاً ولا قديسين، بل بشر بسطاء يكدحون بصمت.
فقراء اختاروا لقمة الخبز على حساب الأحلام الكبرى، لا يفكرون إلا بالموسم، بالمونة، بالمطر، وبأن تمرّ الأيام بأقل قدر من الخسارات.
ومع ذلك، كانوا يملكون شيئاً نادراً نفتقده اليوم: الطمأنينة الداخلية.
كانوا يتكلون على الله بعفوية الفلاح الذي يعرف حدود ضعفه أمام الطبيعة والزمن.
وسط هذا العالم، ظهر الخوري إبراهيم نصار كصورة مهيبة ومألوفة في آن واحد.
جبته السوداء الطويلة كانت تثير في داخلي رهبة غامضة، لكنها لم تكن رهبة الخوف، بل رهبة الحضور.
كان صوته الجهوري وهو ينادي جاره، أو يخاطب زوجته “بولينا”، يشبه نداءً قادماً من زمن أقدم من القرية نفسها.
حتى خطواته كانت تبدو موزونة، كأن الرجل يعرف مكانه تماماً في هذا الكون، ويعرف أيضاً حدود الإنسان وضعفه ومصيره.
لم يكن متجهماً كما يفترض الناس برجال الدين، ولم يكن متعالياً رغم مكانته.
كان يحمل في ملامحه شيئاً من قسوة الجبل وحنانه معاً.
عيناه الواسعتان كانتا تراقبان الناس من دون إدانة، وابتسامته النادرة كانت تكفي كي يشعر الفقير بأنه مرئي، وأن وجوده ليس هامشياً في هذا العالم.
أذكر خروجه من دارته الفسيحة أو عودته إليها.
تلك الدار لم تكن مجرد منزل، بل جزءاً من هيبة المكان.
“جيرة الخوري” لم تكن تعني النفوذ أو التباهي، بل نوعاً من الطمأنينة الأخلاقية.
كان حضوره يخفف من خشونة الحياة الريفية، ويمنح العلاقات بين الناس شيئاً من التوازن، حتى في لحظات الاختلاف.
ربما لهذا السبب، التصق في ذاكرتي المبكرة سؤال الدين والإنسان معاً.
فالخوري إبراهيم لم يقدّم الإيمان كجدار يفصل البشر، بل كجسر بينهم.
لم يكن الدين عنده سلاحاً للهويات المغلقة، بل محاولة لترويض الوحش الكامن داخل الإنسان.
كنت أشعر، حتى قبل أن أفهم الفلسفة أو أقرأ في التاريخ، أن الرجل يرى البشر من زاوية مختلفة: لا كطوائف ومذاهب، بل ككائنات خائفة تبحث عن المعنى والأمان والمحبة.
لاحقاً، حين كبرت، سمعت عن الحرب.
عن جنون الطوائف وهي تنهش بعضها بعضاً، وعن القرى التي تحولت إلى خطوط تماس، وعن الدم الذي مرّ من هنا أيضاً.
قيل لي إن بزبينا والمحيط لم يكونا بعيدين عن النار.
لكن الأعجوبة الحقيقية لم تكن في نجاة الحجر، بل في نجاة النفوس من السقوط الكامل في الكراهية.
ذلك الجيل، رغم خوفه وفقره وبساطته، كان أكثر حكمة من الأجيال التي جاءت بعده.
كان يعرف أن الطائفة قد تحمي الإنسان أحياناً، لكنها قد تسجنه أيضاً.
أما اليوم، فنسمع من جديد همسات “نحن” و”هم”، “جماعتنا” و”جماعتكم”، وكأن في بزبينا من لم يتعلم شيئاً من نصف قرن من خراب لبنان .
إنها لوثة مجتمع متصدع، فقد بالتدريج قدرته على رؤية الإنسان خارج قوقعة الانتماء الضيق.
لهذا، كلما تذكرت الخوري إبراهيم نصار، أشعر أنني لا أستعيد رجلاً فقط، بل أستعيد زمناً كاملاً كان أكثر نقاءً وإنسانية.
كان يقدم الدين بوصفه إطاراً أخلاقياً وثقافياً، لا كمتراس للحروب الصغيرة.
وكان يتعامل مع الناس بتجرد نادر، خارج القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة.
ربما لم يكن يدرك أنه، بجلال جبته السوداء وصوته المزلزل وحضوره الهادئ، كان يزرع في طفل صغير بذور الأسئلة الكبرى:
ما الإنسان؟
ولماذا يتحول الإيمان أحياناً إلى كراهية؟
وكيف يمكن لرجل دين أن يكون أقرب إلى الفلسفة منه إلى التعصب؟
لهذا أحفظ له الجميل.
ليس لأنه كان خوري البلدة المختلطة ، بل لأنه كان واحداً من أولئك النادرين الذين يجعلونك تؤمن بأن الدين، في جوهره العميق، ليس سلطة على البشر، بل رحمة بهم.




