لا حرب ولا تسوية: المماطلة بالوقت وخطاب يربك الحقيقة بين واشنطن وطهران


بقلم نعمت كروم
الصراع بين واشنطن وطهران لا يتحرك نحو مواجهة نهائية ولا يستقر عند تسوية سياسية. ما يتشكل هو بنية اشتباك ممتد، لا تُدار كمسار بين نقطتين بقدر ما تُعاد هندستها في كل مرحلة، بحيث تصبح “الإدارة” نفسها هي شكل الصراع لا نهايته. داخل هذه البنية تتوزع أدوات القوة عبر أكثر من ساحة مترابطة: الاقتصاد، النفوذ الإقليمي، الفضاء السيبراني، والعمل الاستخباراتي، من دون أن تمتلك أي منها قدرة الحسم النهائي أو إنتاج نهاية مستقرة.
في الاقتصاد، شكّل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 نقطة تحول حادة، لكن العقوبات لم تُنهِ الاقتصاد الإيراني بقدر ما أعادت تشكيل طريقة اشتغاله داخل حدود الضغط. فبدل الانكماش الكامل، نشأت طبقات من التكيّف غير الرسمي، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية وبيانات تتبع الشحن إلى استمرار صادرات النفط الإيرانية في نطاق يقارب 1 إلى 1.5 مليون برميل يوميًا في فترات مختلفة، عبر مسارات التفاف وشبكات وسيطة.
بالتوازي مع ذلك، تشددت القيود على حركة الشحن واستهدفت البنى اللوجستية في مراحل متعددة، ما أبقى الاقتصاد داخل حالة ضغط مستمر دون انهيار كامل. النتيجة لم تكن انهيارًا ولا انفراجًا، بل اقتصاد يعمل داخل الحصار نفسه، أي إعادة إنتاج للقدرة تحت شروط المنع.
في الإقليم، لا يتحرك النفوذ الإيراني كقوة خارجية موازية للدول، بل كجزء من توازناتها الداخلية، ما يجعل الصراع يتوزع داخل البنية السياسية نفسها في العراق ولبنان واليمن. هذا الامتداد لا ينتج مواجهة ثنائية واضحة، بل يخلق حالات توازن غير مستقرة داخل كل ساحة على حدة، حيث يصبح الداخل الإقليمي امتدادًا غير مباشر للاشتباك المستمر والمعقّد. خلال السنوات الأخيرة، اتسعت هذه الدائرة لتشمل البحر الأحمر والخليج، مع تصاعد الهجمات على الملاحة التجارية منذ 2023، بما في ذلك استهداف ناقلات وسفن شحن مرتبطة بمسارات إسرائيلية أو غربية، وتحولات في خطوط الملاحة خلال 2024–2025 أدت إلى إعادة توجيه مسارات بحرية وزيادة كلفة النقل، مع بقاء مضيق هرمز نقطة ضغط رئيسية يمر عبرها نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
في الفضاء السيبراني، لم يعد الصراع مرتبطًا بحدث منفصل مثل “ستاكسنت” عام 2010، بل تحوّل إلى نمط مستمر من التأثير المتبادل على البنى الرقمية للطاقة والملاحة والاتصال. ما يميز هذا المجال ليس فقط تبادل الهجمات، بل غياب نقطة مرئية فاصلة بين الفعل وردّه، بحيث تصبح البنية التقنية نفسها ساحة اشتباك بطيء لا يُقاس بزمن الحرب التقليدية.
في العمل الاستخباراتي، يظهر الصراع في صور غير معلنة، تتقاطع مع الإقليم والسيبراني دون أن تُعلن كجبهة مستقلة. اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مثّل نقطة مفصلية، إلى جانب عمليات استهداف مرتبطة بالملف النووي الإيراني خلال فترات مختلفة، ما يعكس انتقالًا من الردع المباشر إلى إدارة العنف ضمن مستويات منخفضة من الإعلان.
حتى الخطاب السياسي الأميركي لم يكن ثابتًا، بل تحرك داخل مساحة من التذبذب في تعريف الهدف نفسه. خلال إدارة دونالد ترامب، لم يكن التغير في اللغة مجرد انتقال بين نبرات مختلفة، بل إعادة صياغة متكررة لطبيعة العلاقة: من خطاب يتحدث عن “تحرير الشعب الإيراني”، إلى تهديدات بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، وصولًا إلى تصريحات تؤكد أن “صبر واشنطن أوشك على النفاد”، بالتوازي مع التشديد على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، في وقت تُطرح فيه خيارات تتعلق بتخفيف القيود على تدفقات النفط الإيراني عبر أطراف ثالثة. هذا التبدّل لا يُنتج فقط اختلافًا في النبرة، بل يكشف عن تداخل بين التصعيد وإدارة التفاوض في آن واحد، حيث يستمر الضغط الخطابي بالتوازي مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
تأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي يؤكد فيها أنه “لا يوجد أي حل عسكري للقضايا المتعلقة بإيران” وأن بلاده “تقف بثبات أمام التهديدات ولا تنحني”، ضمن هذا النمط الخطابي الذي يسعى إلى تثبيت صورة الصمود والقدرة على التحكم بمسار التصعيد. غير أن هذا النوع من الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن سلوك ميداني موازٍ يشير إلى استمرار إدارة المواجهة ضمن مستويات مختلفة، ما يعكس فجوة بين اللغة المستخدمة وطبيعة الاشتباك الفعلي.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة السلوك الإيراني لا كتعطيل للتفاوض بقدر ما يمكن قراءته كإدارة لإيقاع الاشتباك، أي التحكم في زمنه وكلفته ومنع انتقاله إلى حسم نهائي يهدد البنية الداخلية، بما في ذلك دور الحرس الثوري في هندسة التوازنات. في المقابل، يعكس الخطاب الأميركي، خصوصًا في نسخته الترامبية، توترًا مستمرًا بين من يراه أداة ضغط تفاوضي، ومن يراه عنصرًا قد يدفع إلى تصعيد غير محسوب، ما يجعل اللغة نفسها جزءًا من بنية الصراع لا مجرد وصف له.
لا يبدو الصراع بين واشنطن وطهران كحالة يمكن اختزالها في خيارين: حرب أو تسوية. بل كمسار طويل لإدارة عدم الحسم نفسه، حيث تصبح القدرة على إبقاء التوتر ضمن حدود قابلة للضبط جزءًا من وظيفة الصراع لا نتيجته. لا يتحرك هذا الاشتباك نحو نقطة إغلاق، بل يعيد إنتاج نفسه عبر تعديل مستمر في أدوات الضغط وحدود الرد، بحيث تتحول الاستمرارية إلى شكل من أشكال الاستقرار المؤقت، لا الاستقرار النهائي. وفي هذا المعنى، لا يُقاس الصراع بما يعلنه الطرفان، بل بما يسمحان له بالبقاء دون أن ينفجر أو يهدأ بالكامل.



