لبنان الكبير… في بيت أبي منازل كثيرة

نعمت كرّوم
منذ إعلان لبنان الكبير عام 1920، بدت الحكاية في ظاهرها حكاية حدود ومساحة. لكن مسار الدولة خلال أكثر من قرن كشف أن المسألة كانت أعمق من مجرد خط على الخريطة؛ فلبنان لم يعانِ فقط من خلاف على جغرافيته، بل من خلاف أطول على الدولة التي ستقوم فوق هذه الجغرافيا، وعلى قدرتها على أن تكون صاحبة السلطة الفعلية داخلها.
من الفكرة إلى لبنان الكبير
في 1919، حمل البطريرك إلياس الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس «مطالب لبنان»، مطالب باستقلال لبنان واستعادة حدوده الطبيعية والتاريخية، مع المطالبة بالانتداب الفرنسي. وفي الأول من أيلول 1920 أُعلنت دولة لبنان الكبير، بعد ضم بيروت والأقضية الأربعة في الشرق، ومدن وأقضية من ولاية بيروت إلى متصرفية جبل لبنان.
لكن الدولة الجديدة قامت على مناطق وجماعات ومصالح وتصورات سياسية مختلفة.
دولة بمنازل كثيرة
لبنان الكبير لم يكن مشروعًا فرنسيًا خالصًا ولا صناعة لبنانية منفردة، بل تشكّل عند تقاطع مطالب لبنانية ومصالح اقتصادية وتوازنات اجتماعية وطائفية وحسابات دولية، مع دور فرنسي حاسم في إنشاء الدولة.
ومن هنا تبدو قراءة كمال الصليبي ضرورية؛ فالروايات عن التاريخ والهوية والموقع في الدولة لم تكن واحدة.
كان لبنان الكبير، منذ ولادته، يضم منازل كثيرة داخل دولة واحدة.
الدولة التي لم تكتمل
في 1926 أُقر الدستور، ثم جاء استقلال 1943 ليكرّس استقلال الجمهورية اللبنانية. لكن الحرب الأهلية عام 1975 كشفت عجز الدولة عن احتكار القوة داخل أراضيها.
وبعد الحرب، جاء اتفاق الطائف ليضع استعادة سلطة الدولة في قلب التسوية، فنص على بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية وحل جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة.
لكن الطائف أنهى الحرب ولم يُنهِ المعضلة. بقيت مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وبقيت أجزاء من الجنوب عرضة للاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، كما ظلت أجزاء من الحدود اللبنانية موضع نزاع.
من الخريطة إلى السيادة
لهذا لا تعني العودة اليوم إلى لبنان الكبير مجرد استعادة ذكرى إعلان الدولة. فالمسألة لم تعد في إضافة أرض إلى الخريطة، بل في قدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار داخل الأرض التي تقوم عليها.
فالحدود شيء، والسيادة شيء آخر.
وفي لبنان، يبقى المعنى الذي بدأ منه لبنان الكبير أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: بُني البيت قبل أن نتفق على من يملك مفاتيحه.




