خاص الفجر الجديد

الأطفال وقود الحرب

خاص الفجر الجديد

اعداد الاستاذة غزوة أكومه

الانسان عبارة عن كتلة من المشاعر، التي هي استجابات معينة، لها تأثير على السلوك وينتج عنها تغيرات جسدية تظهر في مواجهة مواقف أو ذكريات أو تجارب معينة.
ان الحروب والنزاعات تولد دماراً يطال البنيان، والإنسان بالقتل والإصابات الجسدية، ويتعدى ذلك إلى صدمات نفسية من هول ما يراه الفرد ويعيشه فيدخل البعض في حالة من الذهول وفقدان القدرة على استيعاب ما يجري حولهم وإنكاره، وتخلف تأثيرات مستدامة على الأفراد والمجتمع ككل، انها استجابة عاطفية حادة قد يعيش من ينجو منها في في جحيم الآثار النفسية للحروب وما تخلفه من جروح نفسية عميقة وذكريات مؤلمة.

ماذا عن الصدمة النفسية ؟!

يمكن ان تنتج الصدمة النفسية، عن التعرض للعنف الجسدي، القصف، التهجير، وفقدان الأحباء.
فالأحداث الصادمة المتكررة، كما في حالات الحروب والنزاعات المستمرة في لبنان وغزة، التي أدت إلى آثار نفسية وجسدية عميقة استمرت وتستمر لفترات طويلة. وعادة ما يكون المسؤول عنها هو الجهاز الخوفي للإنسان. لذلك فهي تكون اشد تأثيرا على الاطفال والنساء.
منذ عقود، عانى لبنان من سلسلة طويلة من الحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية، بدءاً بالحرب الأهلية (1975-1990)، مروراً بالغزو الإسرائيلي، وحرب تموز 2006 وصولاً إلى يومنا حيث يقوم العدو الإسرائيلي بحرب قاسية وتهجير قسري لسكان الجنوب والبقاع وبعض مناطق بيروت أضف إلى كل هذا، الأزمات الاقتصادية والسياسية الحالية.

هذه الصدمات المتكررة أثرت بشكل كبير على اللبنانيين الذين يعيش العديد منهم في ظل تهديدات مستمرة على حياتهم وأمانهم، كما تتسبب في زيادة حالات اضطراب ما بعد الصدمة ، حيث يعاني بعض الأفراد من كوابيس وذكريات أليمة مرتبطة بالتجارب الصادمة، إلى جانب مشاعر القلق الدائم وعدم الأمان. ولعل الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، إذ تظهر لديهم مشاكل في النمو النفسي، واضطرابات في السلوك والتفاعل الاجتماعي.
أما في غزة، فيعاني السكان منذ اجيال من نزاعات مستمرة مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتعرضون بشكل دوري للقصف والهجمات العسكرية التي تؤدي إلى دمار البنية التحتية ومقتل وإصابة العديد منهم، اضف الى ذلك ان سكان غزة محاصرون في منطقة صغيرة مكتظة، مما يجعل تجربة العيش هناك تحت التهديد المستمر للصراع العسكري مؤلمة للغاية. ومما لا شك فيه إنّ الآثار النفسية في غزة مشابهة لتلك الموجودة في لبنان، ولكنها ربما تكون أشد وطأة بسبب الحصار المستمر، والافتقار إلى الموارد الأساسية، والتعرض المتكرر للعنف، مما يجعل التعايش مع هذه الظروف أمرا في غاية الصعوبة.


تظهر علامات الصدمة النفسية بشكل واسع، لا سيما لدى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات سلوكية وصعوبات في التعلم وتفاعلات اجتماعية مضطربة.
هذه الآثار النفسية العميقة تتطلب اهتماماً خاصاً، لكي لا تؤثر بشكل سلبي على سلوك الافراد، ومن الأساليب العلاجية الفعالة لمواجهة هذه الآثار، يبرز العلاج السلوكي المعرفي كحل معتمد لتحسين الحالة النفسية للأشخاص المتضررين من الحروب، عبر التركيز على العلاقة بين الأفكار، المشاعر، والسلوكيات. فالأشخاص الذين يتعرضون لحروب أو نزاعات يعانون من أفكار سلبية متكررة مثل الشعور بالخوف الدائم أو الإحساس بعدم الأمان، والتي تؤثر على سلوكهم اليومي وتجعلهم يتجنبون الأنشطة والأماكن التي قد تذكرهم بالتجربة الصادمة. ويتضمن العلاج السلوكي المعرفي في حالات الحروب الخطوات التالية:

إعادة هيكلة الإدراك حيث يركز هذا الجزء من العلاج على تحديد وتغيير الأفكار السلبية غير الواقعية أو المشوهة التي تتعلق بالصدمة.

التعرض التدريجي الذي يساعد في مواجهة الذكريات والمواقف التي يتم تجنبها.

تنظيم المشاعر والسيطرة على الأعراض مثل تمارين التنفس العميق أو الاسترخاء التدريجي للعضلات، والتي تساعد في تنظيم استجابة الشخص الجسدية والعاطفية تجاه المواقف المقلقة.

التدريب على المهارات الذي يهدف إلى تعليم الأفراد مهارات التأقلم يشمل ذلك مهارات حل المشكلات، والتحكم في القلق، وتحسين التفاعلات الاجتماعية.

هناك العديد من المنظمات المحلية والدولية تلعب دوراً في دعم عمليات التعافي من الصدمات النفسية في كل من لبنان وغزة منها المنظمات غير الحكومية (NGOs ) التي تقوم بتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للسكان المتضررين من الحروب. في لبنان، حيث تتعاون منظمات مثل الصليب الأحمر واليونيسف مع السلطات المحلية لتوفير خدمات العلاج النفسي للأطفال والأسر.
اما في غزة، فتقدم منظمات مثل أطباء بلا حدود والهلال الأحمر خدمات مماثلة، خصوصاً في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها المنطقة.
ولكن ذلك يتطلب دعماً وتمويلاً دولياً مستداماً لتأمين الدعم النفسي الشامل للافراد اما المجتمعات التي تعاني من النزاعات.
ان الصدمة النفسية تؤثر على كل جانب من جوانب الحياة، بدءا من الصحة النفسية للأفراد وصولاً إلى تماسك المجتمع ككل، والتشافي من الصدمة يتطلب استراتيجيات شاملة تشمل العلاج النفسي، الدعم الاجتماعي، والرعاية الذاتية، ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو استقرار الأوضاع الأمنية وتحسين الوصول إلى الموارد الصحية. 

برأيي ان ما تقوم به المؤسسات ذات الصفة والافراد المولجين بالمعالجة السلوكية والنفسية في المدن التي استقبلت النازحين في لبنان لا يرقى الى مستوى العلاج او حتى التخفيف من وطأة الصدمة انها محاولات خجولة تصطدم بقلة الخبرة في التنظيم والتدخل وقلة الموارد المالية لدعم المبادرات. ويبقى زوال سبب الصدمة هو الاساس فكيف تعالج شخصاً او طفلاً بدون علاج السبب الرئيسي للصدمة او زواله فمن ارعبه صوت القذائف وجدار الصوت ومن فقد عزيزاً او منزلاً او حتى مدرسة كانت تجمعه برفقاء له لا يمكن له ان يشفى بدون زوال سبب ازمته.

اما عن المساعدة المرجوة من المؤسسات والأشخاص المهتمين بمساعدة اجيال المستقبل الذين يعانون الصدمات حالياً فتتلخص فيما يلي:

محاولة شرح الأحداث للطفل بأسلوب مبسط يناسب عمره مع مراعاة عدم الكذب عليه.

احتواء الطفل وطمأنته بشكل مستمر قدر المستطاع وإخباره ان لا بأس بما يشعر به من حزن وقلق فهذا أمر طبيعي.

إعطاؤه المجال للتحدث عما يجول في خاطره وعدم مقاطعته أثناء الحديث، والإجابة عن تساؤلاته بصدق وببساطة للتهدئة من روعه. 

قضاء الوقت معه والقيام بأنشطة ممتعة واللعب معه لتشتيت تفكيره عن الحرب والخوف.

الحد من اطلاع الطفل على الأخبار باستمرار وحجبه عن رؤية الفيديوهات المروعة للقتلى والجرحى، أو قراءة الأخبار السلبية التي تبث الرعب والفزع في نفسه.

اتباع روتين يومي وتحديد مواعيد الأنشطة والواجبات التي ينبغي القيام بها، ولا بأس في جعل الطفل يشارك في الأعمال المنزلية بما يناسب قدراته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى