كي تبقى الذكرى واعظا


بقلم مديرة التحرير نعمات اكومه
لبنان الحضارة والثقافة “سويسرا الشرق”، كما سماه الشعراء والمفكرون العرب والاجانب يوما حيث تتعانق الأمواج مع ثلوج الجبال الشامخة بأرزها، وتتلاقى الأديان تحت سماء واحدة…هبت عليه رياح عاتية حملت معها ناراً التهمت كل شيء.
عام 1975، انفجرت شظايا الغضب والوجع المتراكم، فتحوّل الوطن إلى ساحة حرب لا تعرف الرحمة.
خمسة عشر عاماً من الدماء، تحوّلت فيها الشوارع إلى خنادق، والبيوت إلى ركام، والقلوب إلى لهب لا ينطفئ.
طائفتان، صديقتان بالأمس، رفعتا السلاح في وجه بعضهما… فلسطينيون يبحثون عن وطن، حيث أدى نزوح مئات الآلاف منهم بعد حربي 1948 و1967 إلى اشتعال التوترات، خاصة مع عمليات المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان، أطفال يكتبون على جدران المدارس المدمرة، أمهات تبكي على أولاد لم يعودوا، وآباء يدفنون أحلامهم تحت أنقاض الوطن.
لم تكن الحرب مجرد صراع على السلطة، بل كانت زلزالا مزق الروح اللبنانية. بيروت، التي غنت لها فيروز، صارت شهيدة تئن تحت نار المدافع وازيز الرصاص الذي لم يوفر كبيرا ولا صغيرا.
وسط بيروت مهد الحضارة ومفخرة الشرق تحول الى خطوط تماس تفصل ابناء الوطن الواحد واضحى مقفرا الا من الجرذان والحيوانات الضالة المؤذية.
الحرب طالت الوطن كله بمختلف مناطقه وطوائفه وابنائه، جبال لبنان الخضراء تحولت إلى مقابر جماعية، حتى البحر، كان شاهدا على المأساة، فحمل في أمواجه جثثاً لم تجد مكاناً للراحة.
اليوم، بعد عقود، لا تزال الجراح تنزف، حكايات المفقودين حملت الوطن آلاما وجراحا لا تندمل، لبنان الذي كان مثالاً للتعددية، صار درساً عن كيف يحول الإنسان أخاه إلى عدو… وكيف تدفن الإنسانية تحت ركام الخيانة.
اليوم ما زال لبنان يبحث عن الهوية التعددية عن مثال التعايش الذي كان ينعم به يوما، الحرب فرزت الوطن الى فئات وطوائف كل منها يحلم ان يكون هو المسيطر لكن في قلب هذا الظلام، تبقى شمعة صغيرة مضيئة، ذاكرة الجيل الذي عاش الحرب ويرفض أن يورث أطفاله كراهيتها…. ربما، في عيونهم، نجد بصيص أمل… بأن لا تكتب الفصول القادمة بالدم.
اكثر من مئة وعشرين الفا قتلوا خلال الحرب واكثر من مليون نازح من كافة المناطق اللبنانية، انهيار اقتصادي لا زلنا نعاني ذيوله حتى اليوم كانوا حصيلة حروب الآخرين على ارض لبنان واطماع الدول المجاورة له فيه.
الحرب الأهلية اللبنانية لم تحسم تماما بالرغم من اتفاق الطائف الذي وضع حدا لحرب القذائف والرصاص، ولكنها تركت جراحا عميقة في النسيج الاجتماعي والسياسي، ما يفسر استمرار الأزمات حتى اليوم، مثل انفجار مرفأ بيروت عام 2020 والانهيار الاقتصادي الحالي وحروب لبنان المتلاحقة مع اسرائيل.
فهل تكون الذكرى الأليمة دافعا لابناء الوطن الواحد لاعادة توحيد الصفوف والرؤى لاجل لبنان واحد موحد وطن نهائي لكل ابنائه حيث ينعمون بالمساواة والتوازن.
عشية الذكرى الخمسين للحرب الاهلية اللبنانية نحن اليوم امام فرصة حقيقية للتوحد في سبيل الدفاع عن حدود الوطن وارضه واعادة بريقه وتميزه بين جيرانه فهل نتعظ ونتكمش بالحلم الى ان يصبح حقيقة؟




