خاص الفجر الجديد

قانون العفو العام في لبنان: ماذا يتضمن ومن يشمل؟ حوار مع د. مصطفى علوش

في حوار مع «الفجر الجديد»، النائب السابق الدكتور مصطفى علوش حول قانون العفو العام

نعمت كرّوم

قانون العفو العام في لبنان: ماذا يتضمن ومن يشمل؟

بعد نحو 35 عامًا على آخر قانون عفو عام أقرّه لبنان عام 1991، أقرّ مجلس النواب في 12 آب/أغسطس 2026 قانون العفو العام، الذي يشمل الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار/مارس 2026، وفق الشروط والاستثناءات التي حددها القانون.
ولا يشمل القانون جميع الجرائم، إذ استثنى القتل العمد أو القصدي والجرائم المرتبطة بالإرهاب والخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، إلى جانب جرائم تتصل بالفساد والمال العام والاتجار بالبشر والاغتصاب وسفاح القربى والاعتداء على القاصرين، وغيرها من الجرائم التي حددها النص.
وإلى جانب العفو، خفّض القانون مدد عدد من العقوبات، فجعل عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة، وخفّض سائر العقوبات المشمولة بمقدار الثلث. كما عالج وضع الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة، فنصّت صيغته النهائية على إخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة سجنية من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار محاكمته وفق الأصول.
ومنذ طرح قانون العفو العام، رفض د. مصطفى علوش تحويل أزمة السجون إلى تسوية سياسية.
استخدمتَ تعبير «البازار السياسي» في حديثك عن قانون العفو العام. ماذا تقصد بهذا التوصيف؟
قانون العفو العام طُرح تحت عنوان واحد، هو اكتظاظ السجون، ثم تداخلت عليه أمور أخرى، منها القضايا المتعلقة بالمظلومية، وقضية المبعدين، وغير ذلك.
لكن التسوية التي حصلت الآن لا علاقة لها لا باكتظاظ السجون ولا بقضية المبعدين، وإنما أُدخلت عليها تسوية سياسية قامت على مستوى طائفي. فاعتُبرت تسوية أوضاع الموقوفين في قضايا إرهابية حصة للسنة أو للمعتقلين، باعتبار أنه عمليًا لا توجد حتى الآن تهم واضحة المعالم، بل تهم عامة. واعتُبرت مسألة المبعدين أو المستبعدين إلى إسرائيل مسألة مسيحية، ومسألة المخدرات مسألة شيعية.
لهذا، فإن التسوية القائمة الآن لا علاقة لها بالمنطق الحقوقي. والمنطق الحقوقي يبدأ من السجن نفسه: إذا كان السجن مكتظًا، تُبنى السجون أو تُوسّع؛ وإذا كانت ظروف السجن غير إنسانية، تُحسّن الظروف الإنسانية؛ وإذا كان هناك ضعف في المسار القضائي، يُعالج المسار القضائي، وتُسرّع المحاكمات، وتُصنّف الاتهامات ويُعمل على أساسها.
أما اللجوء إلى عفو عام كجزء من تسوية سياسية، فهذه هي الإشكالية. لذلك سميتها «بازارًا سياسيًا»، وليس مسألة حقوقية.
إذا كان العفو لا يعالج أصل أزمة السجون وبطء العدالة، فما المعالجة التي تراها أكثر فاعلية؟
يتحدثون عن وجود نحو ثمانية آلاف شخص في السجون، فيما تبلغ قدرتها الاستيعابية، في أفضل ظروفها، نحو أربعة آلاف. فإذا أخرجنا سبعين شخصًا تقريبًا، كيف نكون قد حللنا المشكلة؟
كان هناك حل مطروح ومفيد، وهو أن نحو ثلث الموجودين في السجون هم سوريون. وبالتالي فإن التبادل مع سوريا في هذه الحالات قد يكون أحد الحلول، لأن العدد يمكن أن ينخفض من ثمانية آلاف إلى ستة آلاف أو خمسة آلاف وخمسمئة، وعندها تُعالج بقية الأمور.
أما الحل القضائي، فيبدأ بتجزئة الملف. أولًا، الأشخاص الموقوفون من دون محاكمة يجب تسريع محاكماتهم. والأشخاص الذين يُحتمل أن تكون الأحكام التي ستصدر بحقهم قد استُنفدت أصلًا خلال فترة وجودهم في السجن، يمكن إطلاق سراحهم. وبعد ذلك تأتي مسألة تقصير السنة السجنية، وتحسين ظروف الموجودين، وتصنيف الجرائم بحسب طبيعتها.
أنت تتحدث إذًا عن إعادة تصنيف الملفات بدل إخضاعها جميعًا لمنطق العفو العام. لماذا تعتبر هذا التصنيف أكثر إنصافًا؟
لأن هناك أيضًا مستوى سياسيًا. جريمة مثل قضية أحمد الأسير كانت في وقت ما شيئًا، واليوم أصبحت شيئًا آخر. وقضية معاداة النظام السوري والمشاركة في القتال معه كانت في ذلك الوقت شيئًا، واليوم تغيرت المعطيات. وكذلك حمل السلاح؛ فحزب الله كان مصنفًا في مرحلة معينة على أنه مقاومة، بينما هو اليوم مصنف من خصومه على أنه تنظيم مسلح. هناك تفاصيل تتغير.
لذلك، فإن إعادة تصنيف الواقع في السجون من خلال طبيعة الجرم والمحكوميات وغيرها هي الطريقة الفضلى للوصول إلى علاج أكثر إنصافًا.
أما الآن، فيخرج السجين بصفة «معفى عنه»، أي إنه ارتكب جريمة وعُفي عنه، بينما هناك أشخاص لم تصدر بحقهم محاكمة أصلًا. وهذه الصفة قد تلازمه طوال حياته.
وماذا عن الموقوف الذي قد تثبت براءته بعد سنوات قضاها في السجن من دون محاكمة؟
ومن يعوضه عن السنوات التي قضاها في السجن؟ هذا أيضًا لا ينطوي على أي إنصاف.
في قضية أحمد الأسير وأحداث عبرا، ترى أن تغير الظروف السياسية يفرض إعادة النظر في بعض الملفات. ما الذي تقصده تحديدًا؟
قضية أحمد الأسير، بالنسبة إليّ، كانت تتضمن نوعًا من الاستفزاز أو الانتقام من قبل مؤسسة الجيش، وإصرارًا من قبل حزب الله على إبقاء القضية بالشكل الذي يؤكد أنهم كانوا على حق فيها في ذلك الوقت.
وفي المقابل، هناك مشكلة عبرا نفسها، لأن الطرف الآخر، أي عناصر حزب الله الذين شاركوا في المعارك، لم يقدموا للمحاكمة ولم يخضعوا للمحاسبة نفسها.
لذلك، بالنسبة إليّ، أذهب إلى إعادة فتح ملفات المحاكمة استنادًا إلى المعطيات الجديدة، وأستدعي ضباط الجيش الذين شاركوا في العمليات وأسألهم: لماذا فعلتم ذلك؟ ولماذا تركتم ذلك؟ ولماذا سمحتم لعناصر من حزب الله بالدخول إلى المعركة في ذلك الوقت؟ كل هذه التفاصيل تدخل في إعادة النظر بالملف.
ومن الناحية السياسية، إذا أردنا أن نقارن جرم نعيم عباس بجرم أحمد الأسير، فجرم نعيم عباس مختلف تمامًا في طبيعته وحجمه. نعيم عباس، في رأيي، كان يستحق الإعدام (300 مرة).
أثارت بعض الحالات مخاوف من إمكان استفادة مرتكبي جرائم شديدة الخطورة من تخفيف العقوبات. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟
هناك استثناءات، والمفترض أن تكون الجرائم مصنفة. لا يجوز أن نقول إننا أقررنا عفوًا عامًا قبل أن نصنف الجرائم ونصنف الأحكام.
وماذا عن ملف نوح زعيتر والجرائم المرتبطة بالمخدرات؟ وهل يمكن أن يستفيد من قانون العفو أو من تخفيض العقوبة؟
لا أعرف، ولا أستطيع أن أعرف في هذه اللحظة.
لكن أستطيع أن أقول إن نوح زعيتر، لو لم تكن له ارتباطات سياسية ومخابراتية مع عدد كبير من الشخصيات الموجودة، لما استطاع أن يبقى كل هذه السنوات. يجب أن نتذكر أنه كان موجودًا ضمن مناطق نفوذ حزب الله ويمارس نشاطه. ماذا يعني ذلك؟
الكبتاغون وغير الكبتاغون، ماذا يعني ذلك؟ يعني أن حزب الله كان مستفيدا من هذه القضية.
وماذا عن ملف الموقوفين الإسلاميين الذي طُرح منذ سنوات بوصفه أحد الملفات الأساسية في قانون العفو؟
سيُحل جزء من الملف، وليس كله. كانوا يتحدثون عن آلاف أو مئات، وفي النهاية تبيّن أن العدد الذي سيخرج في المرحلة الأولى هو 79 شخصًا فقط.
وماذا عن الأثر الفعلي للقانون على اكتظاظ السجون؟
لا أعرف حتى الآن حجم الاستفادة، لكن تقصير السنة السجنية بالنسبة إلى المحكومين يمكن أن يؤدي على الأرجح إلى خروج ثلث الموجودين أو خُمسهم. فإذا أصبحت العقوبة، مثلًا، بدل خمسة عشر عامًا اثني عشر عامًا، أو تغير احتساب السنة السجنية، فجزء كبير من مدة الحكم يسقط، ما يعني أن نسبة من الموجودين في السجون ستخرج.
لكن هناك تفاصيل لم نرها بعد. ولم يخرج أحد حتى الآن ليفنّد لنا ما هي الفائدة الفعلية من هذا الأمر. وهذا تقصير برلماني. إما أنهم لا يعرفون الملف بأكمله، وإما أن «البازار السياسي» دخل إلى المسألة واستُسهلت الأمور.
في ضوء ذلك، هل ترى أن قانون العفو العام يعالج المشكلة التي أُقر من أجلها؟
لهذا أقول إن الأمر تحول إلى شعارات. وُضعت شعارات، وفي النهاية أصبح كل طرف يريد أن ينتصر أو ألا ينتصر فيها.
الأساس أن قانون العفو العام لا يمكن أن يكون بديلًا عن العدالة. إذا كان هناك شخص موقوف من دون محاكمة، فالمطلوب أن يُحاكم، وإذا كان قد أمضى في السجن مدة تتجاوز ما يمكن أن يُحكم به، فالمطلوب أن يُخلى سبيله، وإذا كان محكومًا، فيجب النظر في مدة الحكم وطبيعة الجريمة وظروفها.
العفو لا ينبغي أن يحل محل تصنيف الملفات ولا أن يصبح بديلًا عن المحاكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى