الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى.

فيصل درنيقه
طرابلس، 2026.
الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى.
كتب الكثيرون عن مراحل أعمارهم بجمالها وقسوتها وهم في العقد السادس ولم يتجاوزوا السبعين. ولعل ما قرأته من رسائلهم ونصائحهم هو ما دفعني لترك أثرٍ للأجيال القادمة، وقد بلغتُ الثانية والثمانين من عمري، إذ إنني من مواليد عام 1944.
لعلي أسدي نصيحةً من بحر التجارب، لتكون عوناً يُستفاد منه. لستُ طبيباً نفسياً ولا باحثاً في علم الاجتماع، لكنني ولجتُ معترك الحياة مبكراً جداً؛ حياةً حملت في طياتها الهموم والانفراجات، الخوف والطمأنينة، والضيق والفرج.
كان سلاحي الدائم فيها هو الصبر والأمل بالغد. ولعلي أستطيع، في كلمات قليلة، التعبير عن بعض الإرشادات والسلوكيات التي تحمل في طياتها الرشاد لبلوغ المرتجى. أرجو أن تكون السطور التالية دليلاً واضحاً لمن أراد الاستفادة، بعيداً عن كثرة الأدوية التي لا أقتنع بأهميتها، مع إيماني المطلق بأن الأعمار بيد الله عز وجل.
فلنبدأ معاً في توجيه حياتك الاجتماعية وعلاقاتك من خلال ما يلي:
أولاً: الصبر والتروي والهدوء
وتجنب التسرع في اتخاذ القرارات والمواقف.
ثانياً: تجنب ما تخجل منه
لا تُقدم على أي عمل قد يحرجك إذا سُئلت عنه
ابتعد عن الغيبة والنميمة لتجنب الإحراج، وانأَ بنفسك عن التملق والتزلف.
ثالثاً: ليس كل ما يُعلم يُقال
تذكر دائماً أن ليس كل ما يُعلم يُقال. النسيان مفتاح الراحة، والتغافل يجدد حيوية النفس (تطبيقاً لمبدأ: طنّش تنتعش).
رابعاً: استمتع بلذات الحياة باعتدال
أحبب ما شئت من مباهج الحياة، ولا تحرم نفسك مما لذ وطاب شريطة ألا تسيء للآخرين حتى لا يُساء فهمك. تلذذ بما رزقك الله من طعام وشراب عملاً بالآية الكريمة: «كلوا ولا تسرفوا»، واجعل شعارك: “النفس وما تشتهي”. إياك والكمد فهو مقتل، واحذر الحسد.. فـ «لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله».
خامساً: لا تجعل الإدمان والروتين يسيطران عليك
الإدمان والروتين قاتلان؛ فلا تتعلق بلذة معينة تعلقاً أعمى، وعوّد نفسك على التغيير وعدم الارتهان لسلوك واحد. ألزم نفسك بالابتعاد عن كل ما يؤذيها، سواء في العادات المهلكة التي تغرق صاحبها في شر مستطير كالخمر، والتدخين، والقمار، والانسياق وراء الشهوات، أو أي ملهاة قد تفسد سلوكك وتسيء لك ولعائلتك ومجتمعك.
سادساً: لا تنسَ نصيبك من الدنيا
لا تنسَ نصيبك من الدنيا من مأكل، ومشرب، وراحة، ومداراة. الاعتدال في الطعام هو الميزان الواقي للجسم من الترسبات التي تجلب المتاعب والأمراض. لا تكثر من السكريات ولا اللحوم (خاصة النيئة)، وتجنب الأطعمة الضارة، وابتعد قدر الإمكان عن السُمَّين الأبيضين: السكر والملح. فليكن كل شيء بمقدار.
سابعاً: لجسمك عليك حق
إن لجسمك عليك حقاً في الحركة الدائمة، والنوم، والراحة، والخلوة للسكينة والتأمل في المناظر الجميلة، سواء عبر البرامج الطبيعية أو الحكايات التراثية. تجنب متابعة الأعمال الدرامية التي تثقل كاهلك بالهموم؛ فحتى لو كانت مستوحاة من الواقع، لا شأن لك بحمل أعبائها. تابع ما يبعث على الفرح ويخرجك من هموم الدنيا، فيكفيك ما تراه وتسمعه في محيط أقاربك وأحبابك.
ثامناً: أحسن اختيار جليسك
ابحث عن صاحب الطرفة والابتسامة، وشارك في الألعاب المسلية التي لا تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً، كطاولة الزهر، والدومينو، وورق اللعب. واجعل من الشطرنج خياراً للتسلية مع أشخاص يلعبون للترفيه فحسب. ولا تنسَ المطالعة؛ اقرأ أي كتاب يجذبك عنوانه ليقودك نحو المعرفة ويُثري ثقافتك.
تاسعاً: حافظ على مظهرك الخارجي
اعتنِ بمظهرك الخارجي؛ فهو مرآتك أمام الآخرين. الإهمال في الهندام والنظافة الشخصية يضعف من حضورك وينفّر الناس منك. وبما أنك بلغت هذا العمر، فمن المؤكد أن خزانتك باتت زاخرة بالملابس، فلا تبخل على نفسك بالتأنق.
عاشراً: أحسن اختيار دوائرك
لا تجالسوا من لا ترتاحون إليهم، ولا تحبسوا أنفسكم في المنازل. واظبوا على المشي، وابتعدوا عن الأوهام وأحاديث الأمراض والشيخوخة.
الحادي عشر: خففوا من الهوس الطبي
لا تبالغوا في القلق، وتجنبوا الهوس بالفحص المتكرر لضغط الدم والسكري دون ضرورة طبية. كلوا ما تشتهون باعتدال، ولا تجعلوا الخوف من السمنة وزيادة الوزن هاجساً تؤرقكم.
الثاني عشر: احذروا الإفراط في الأدوية
تجنبوا الإفراط في تناول الأدوية دون استشارة أو سبب وجيه.
الثالث عشر: الماء حياة
الإكثار من شرب الماء ضرورة لحيوية الجسم، ولا ضرر فيه.
الرابع عشر: الغذاء الطبيعي
تكمن الصحة في تناول الخضراوات والفواكه الطبيعية التي نضجت تحت أشعة الشمس، وليس في المنتجات البلاستيكية والمعلبة.
الخامس عشر: التقاعد ليس نهاية المطاف
إياكم والاستسلام لفكرة “التقاعد”؛ فالاستسلام لها هو البداية الحقيقية للشيخوخة. لا تدعوا هذه الكلمة تميت شغفكم بالحياة، فلا وجود لمعنى “أن تموت متقاعداً” في قاموسنا.
السادس عشر: الرضا كنز
حافظوا على الابتسامة والرضا، فهما سرٌ من أسرار الصحة النادرة.
السابع عشر: تصالحوا مع ذواتكم
لا تكبتوا مشاعركم وميولكم في قلوبكم. تقبلوا أعماركم وأجسادكم وتصالحوا معها، ففي هذا التقبل تكمن قمة السعادة.
فيصل درنيقه
طرابلس، 2026.




