من احتلال الأرض إلى احتلال المستقبل: غزة وإدارة الفراغ

من احتلال الأرض إلى احتلال المستقبل: غزة وإدارة الفراغ

نعمت كروم
بعد كل حرب يأتي الحديث عن “اليوم التالي”، لكن في غزة لا يُنتظر هذا اليوم بعد انتهاء الحرب؛ فالحرب نفسها تصنع شروط المرحلة التي ستأتي بعدها وتحدد ملامحها قبل أن تنتهي.
الحرب تصنع فراغاً.
الفراغ يحتاج إلى إدارة.
إدارة الفراغ تصبح جزءاً من الصراع على المستقبل.
فالحرب لا تترك دماراً فقط؛ إنها تنتج واقعاً سياسياً وجغرافياً جديداً.
في غزة، لا يقتصر الصراع على استمرار القتال؛ فهو يمتد إلى الواقع الذي يُبنى خلاله: أرض بشروط جديدة، إدارة بلا سيادة، وإعمار يجري داخل ترتيبات سياسية تفرضها موازين القوة.
نتساريم وفيلادلفيا: عندما ترسم الدبابات خرائط ما بعد الحرب
أول ما يجري تنظيمه هو المكان نفسه: خطوط السيطرة، ومناطق الحركة، وحدود ما يمكن أن يكون متاحاً في المرحلة التالية.
في غزة، لم تقتصر التحولات الميدانية على العمليات العسكرية؛ فقد رافقها تشكّل واقع جديد على الأرض من خلال مناطق عازلة، وانتشار عسكري، والتحكم بممرات رئيسية للحركة. ولم تعد هذه المواقع مجرد نقاط مرتبطة بسير المعارك، بل أصبحت أدوات تؤثر في شكل الحياة الممكنة بعد الحرب.
ويظهر ذلك في محور نتساريم الذي أعاد تشكيل حركة الانتقال بين شمال القطاع وجنوبه، وفي محور فيلادلفيا المرتبط بالحدود والمعابر وحركة الأشخاص والبضائع ومواد الإغاثة والإعمار. كما أن تحرك “الخط الأصفر” وتوسع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يواصلان إعادة رسم المجال المتاح للسكان، بينما يجري التفاوض على مستقبل القطاع.
فعندما تتحول السيطرة الميدانية إلى واقع مستمر، تصبح الجغرافيا عاملاً يسبق السياسة. فشكل الأرض بعد الحرب يحدد، إلى حد كبير، شكل الخيارات السياسية والإدارية المتاحة فوقها.
الحرب لا تترك أرضاً مدمرة فقط؛ إنها تترك أرضاً بشروط جديدة.
إدارة بلا سيادة: السلطة التي تدير ولا تحكم
بعد أن تُرسم حدود السيطرة على الأرض، ينتقل الصراع إلى شكل الإدارة التي ستتولى التعامل مع آثار الحرب.
إدارة الحياة اليومية، وتقديم الخدمات، وتنظيم المساعدات، كلها ضرورات لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تساوي امتلاك سلطة سياسية قادرة على اتخاذ القرار. فالدولة لا تُختزل في مؤسسات تقدم الخدمات، بل في قدرتها على التحكم بالأرض والموارد والحركة.
ولا يقتصر معنى امتلاك القرار على وجود مؤسسات إدارية، بل يشمل السيطرة على المعابر، وحرية الحركة، وتدفق المساعدات ومواد الإغاثة والإعمار. فالسلطة التي تدير الخدمات من دون أن تملك هذه الأدوات تبقى مقيدة بحدود يرسمها طرف آخر.
إدارة بلا سيادة لا تنتج حلاً سياسياً؛ إنها تنتج ترتيباً للأزمة.
سلاح حماس لم يعد في الميدان… صار على طاولة التفاوض
أضعفت الحرب القدرات العسكرية لحماس بصورة كبيرة، واستهدفت قياداتها وبنيتها التحتية وشبكة أنفاقها، لكن الحركة لم تُستأصل كقوة مسلحة. وتختلف التقديرات بشأن حجم قوتها المتبقية، ما يجعل إعطاء رقم دقيق اليوم أمراً غير موثوق.
الهزيمة العسكرية لا تعني اختفاء العدو من الخطاب. وفي غزة، يظل وجود حماس، حتى وهي أضعف عسكرياً، مرتبطاً بمسألة استمرار السيطرة وشروط الانسحاب.
فخطة المرحلة الانتقالية تربط بين نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي، إلى جانب تشكيل إدارة فلسطينية انتقالية ونشر قوة استقرار دولية وإعادة إعمار القطاع. وفي المقابل، ترفض إسرائيل الانسحاب قبل نزع السلاح الكامل، بينما تفاوض حماس على شروط هذه العملية وضماناتها.
وفي الوقت نفسه، بدأت حماس تتحرك سياسياً نحو الانتخابات المقبلة، في اتجاه المشاركة في ائتلاف انتخابي واسع. وهكذا لا يبقى مستقبل الحركة محصوراً في سؤال السلاح؛ بل ينتقل أيضاً إلى سؤال موقعها داخل النظام السياسي الذي سيولد من الحرب.
هنا يتحول السلاح من مسألة عسكرية إلى مسألة سياسية؛ فمن يحدد شروط نزع السلاح يشارك في تحديد شروط الانسحاب، وشكل الإدارة، وحدود السلطة التي ستدير غزة بعد الحرب.
إعمار بلا سيادة: إعادة البناء داخل أسر سياسي
في الحروب الكبرى، لا تبدأ معركة إعادة البناء بعد انتهاء القتال؛ فالإعمار يصبح جزءاً من الصراع على ما سيأتي بعد الحرب.
إعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس لا تتعلق بإزالة الركام وحده؛ إنها ترتبط بمن يحدد الأولويات، ومن يدير الموارد، ومن يملك القرار في مسار إعادة البناء.
في غزة، لا ينفصل الإعمار عن سؤال السيادة؛ فإزالة الركام، وإدخال المعدات، وتوفير مواد البناء، وتنفيذ المشاريع، كلها ترتبط بالجهة التي تملك قرار الحركة والوصول والإشراف.
لذلك يأتي الإعمار داخل الترتيبات السياسية والأمنية للمرحلة الانتقالية، مرتبطاً بشكل الإدارة، ونزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات الأمن. وقد أصبح هذا الربط أكثر وضوحاً مع تأكيد الولايات المتحدة وإسرائيل أن إعادة الإعمار لن تبدأ قبل نزع سلاح حماس بالكامل.
عندما ينفصل الإعمار عن السيادة، يتحول من عملية لإنقاذ المجتمع إلى آلية لإدارة واقع سياسي تحدده موازين القوة.
المكان يمكن أن يُعاد بناؤه بالحجارة، لكن الدولة لا تُبنى بالخرسانة وحدها.
خطة ترامب ونتنياهو: التفاوض على ما بعد الحرب… والحرب لم تنتهِ
لا تبدأ ترتيبات ما بعد الحرب بعد توقف القتال؛ فهي تتشكل داخل مسار الحرب نفسها. وبينما تُطرح خطط الإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار، يجري في الوقت نفسه تثبيت الوقائع التي ستحدد حدود المرحلة التالية.
مسار سياسي يتحدث عن إدارة فلسطينية انتقالية، ونزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيلي، وقوة استقرار دولية وإعادة إعمار.
وفي هذا السياق، أُنشئت مجموعتا عمل أميركية-إسرائيلية لبحث نزع السلاح والصحة العامة في غزة، وهو ما يعني أن ترتيبات ما بعد الحرب بدأت تنتقل من الخطة السياسية إلى خطوات عملية.
ومسار ميداني يستمر في إنتاج شروط جديدة على الأرض، من خلال السيطرة العسكرية، والتحكم بالحركة، وإعادة رسم المجال الجغرافي الذي ستعمل داخله أي إدارة مستقبلية.
الفجوة بين المسارين ليست إدارية، بل سياسية.
ويكشف الخلاف حول خطة ترامب ذلك بوضوح. فقد أعلنت حماس قبولها خارطة الطريق الأميركية، بينما رفض بنيامين نتنياهو في 9 أغسطس انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وتقوم الخطة على نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي مرحلي، مع آليات للتحقق من تنفيذ الالتزامات. وانتهت لقاءات جاريد كوشنر مع حماس وإسرائيل في 17 أغسطس من دون اختراق حاسم، بعدما بقي الخلاف قائماً حول ترتيب نزع السلاح والانسحاب.
لكن العمليات العسكرية استمرت بالتوازي مع استمرار التفاوض؛ ففي 23 أغسطس نفذت إسرائيل غارات جديدة على غزة، في مشهد يؤكد أن الوقائع الميدانية لا تزال تتشكل بالتوازي مع البحث في ترتيبات المرحلة المقبلة.
ولم يعد الحديث عن إدارة ما بعد الحرب افتراضاً سياسياً فقط؛ فقد خصصت الولايات المتحدة أكثر من 206 ملايين دولار لدعم قوة الاستقرار الدولية المقترحة في غزة، في خطوة تنقل الترتيبات من مستوى الخطة إلى مستوى بناء أدوات تنفيذها.
هنا لا يجري التفاوض على إنهاء الحرب فقط، بل على ترتيب خطوات اليوم التالي ومن يضع شروطه.
فإدارة الدمار تتحول إلى أداة لصناعة الواقع السياسي؛ لأن التعامل مع آثار الحرب لا يحدد كيفية إعادة بناء المكان فحسب، وإنما يشارك في إنتاج النظام السياسي الذي سيخرج من الحرب.
توقف الأسلحة لا يعني نهاية الحرب؛ فالجزء الأكثر حساسية منها هو ما يجري ترتيبه أثناء استمرارها.
من العراق إلى غزة: الفراغ الذي يأكل الدول بعد الحروب
ليست غزة الحالة الأولى التي يتحول فيها فراغ ما بعد الحرب إلى صراع على السلطة والسيادة.
في العراق بعد عام 2003، أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى فراغ سياسي وأمني واسع، ولم يكن التحدي إسقاط النظام فقط، بل بناء سلطة جديدة وسط تدخلات خارجية وصراعات داخلية.
وفي البوسنة وكوسوفو، ارتبطت إعادة بناء المؤسسات بترتيبات وإدارات دولية أثرت في ممارسة السيادة خلال المرحلة الانتقالية.
تكشف هذه التجارب أن الفراغ الذي تتركه الحروب يتحول إلى مجال لإعادة توزيع السلطة وتحديد من يملك القرار.
أما غزة، فتطرح معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ يتداخل الدمار، والفراغ الإداري، والسيطرة العسكرية، والإعمار في لحظة واحدة، بحيث يبدأ الصراع على ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب نفسها.
في كل الحالات السابقة كان الفراغ بعد الحرب. في غزة الفراغ يُصنع أثناء الحرب.
فالركام هنا ليس مجرد أثر للدمار؛ إنه مساحة يجري فيها التنافس على شكل الحياة التي ستأتي بعده.
الحرب التي تنتج واقعها قبل نهايتها
تكشف غزة أن الحرب لا تنتهي دائماً عند توقف العمليات العسكرية؛ فقد تصبح الحرب نفسها وسيلة لصناعة واقع سياسي قبل أن تصل إلى نهايتها.
الحرب تصنع فراغاً.
الفراغ يحتاج إلى إدارة.
إدارة الفراغ تصبح جزءاً من الصراع على المستقبل.
في غزة، لا يقتصر الصراع على استمرار القتال؛ فهو يمتد إلى الأرض التي تُرسم شروطها، والإدارة التي تُحدد صلاحياتها، والإعمار الذي يرتبط بمن يملك القرار.
لهذا فإن ما بعد الحرب لا يبدأ بعد توقفها؛ بل يتشكل داخلها، عبر الوقائع التي تُفرض، والترتيبات التي تُبنى، والبدائل التي تضيق.
من احتلال الأرض إلى احتلال المستقبل، تتحول المعركة حول غزة إلى معركة على من يملك القدرة على تشكيل ما يأتي بعد الدمار.




