المنطقة بين تهديد ترمب بتفجير عُمان وجنون نتنياهو!

علي شندب
كالنار في الهشيم انتشرت توبيخات بل إهانات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس وزراء الكيان الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية منعه من قصف بيروت والضاحية الجنوبية. وبدت المعلومات المسرّبة حول ما كاله ترامب لنتنياهو وكأنّه أُريد لها أن تطوي مقولة أخرى سبقتها في الانتشار المحموم حول نجاح نتنياهو في جرّ ترامب الى الحرب ضد إيران. وبدت التسريبة الترامبية حول “جنون نتنياهو”، بمثابة المعادلة اللاغية لمقولة “نتنياهو جرّ ترامب”. ما جعل تطورات المنطقة أسيرة استقطاب حاد بين “مجرور ومجنون”.
بداية اندلاع الحرب الاسرائيكية على ايران، كشفت بوضوح نجاح نتنياهو في إسالة لعاب ترامب باستهداف إيران، من خلال خطة الإطباق الاستخبارية والاستراتيجية التي استعرضها أمام ترامب ثمّ إدماجها مع بنك أهداف البنتاغون ومجتمع الاستخبارات الاميركي، ما دفع ترامب للجلوس على كرسي قيادة الحرب على ايران، والتي ستسغرق وفق نتنياهو بضعة أيام، تنتهي بإسقاط النظام الايراني بعد اغتيال المرشد الأعلى ونخبة ايران الحاكمة من العسكريين والاستخباريين والنوويين.
نتائج الحرب كشفت عن فشل الخطة الاسرائيكية لاسقاط النظام الايراني الذي استطاع اعادة انتاج نفسه وفقاً للمعادلة السرية التي سبق ووضعها “خامنئي الأب”، بتعيين ثلاثة بدلاء لمسؤولي النظام في شتى المواقع والقطاعات، وبينها اختيار مجلس الخبراء للمرشد الجديد. ويضاف لكل هذا تحكّم ايران بمضيق هرمز والذين باتا بمثابة “قنبلتي ايران” الحقيقية. وعبر إعادة انتاج النظام لنفسه، خاضت ايران معركتها الوجودية حربياً، ودبلوماسياً، من خلال مفاوضات بات ترامب يفضلها، بعد إخفاق الحلّ العسكري، توازياً وتزامناً مع فرض وقائع جديدة مرتكزة على حراكات وتحركات ربيعية داخلية، لم تزهر بعد.
وجعل الاخفاق العسكري الترامبي، بعد نشوة القرصنة السهلة على فنزويلا دولة ونظاماً، جعل زيارة ترامب الى الصين منزوعة من صواعق القوّة الأحادية، ما حتّم على ترامب مراجعة استراتيجيته في ايران والمنطقة، فبدا أكثر نزوعاً نحو المفاوضات والدبلوماسية بعدما بالغ في قرع طبول الحرب والتهويل والتهديد، تماما كما بالغ في تحديد المهلة الزمنية النهائية أمام ايران.
لعلّ نزق النرجسية المريضة الذي يطبع شخصية ترامب، المهجوس برسم صورته التاريخية لقرون مقبلة، جعلته يتأرجح بين “امبراطور الحروب وبطل السلام”. السلام الذي أنشأ له مجلساً في غزّة، ولم يكن أكثر من لافتة تضم لملفه أمام لجنة جائزة نوبل، التي خذلته دون ان يقرّعها على منوال استهدافه للاعلام الأميركي “الديمقراطيط مثل (سي إن إن) المشكّك دائماً في مقولات ونجاحات الرجل. وكما أخفق في حربه ضد ايران أقله حتى اليوم، فقد أخفق في إحلال السلام الذي وعد به العرب في غزّة!
نرجسية ترامب المتوترة والقلقة، جعلته في لحظة حسّاسة ينتظر فيها بروّية موقف مجتبى خامنئي من الملاحظات الأميركية على مذكرة التفاهم المنقولة عبر رجل باكستان القوي عاصم منير، وجعلته يصوّب مدافعه الصوتية الصاخبة والغاضبة والخشنة ضد نتنياهو الذي كان بصدد تنفيذ عملية استهداف ضخمة للضاحية الجنوبية وبيروت، وجعلته يحرص على نشر وتسريب مضمون كلامه اللاذع والتحقيري والمهين لنتنياهو، مثل “أنت مجنون تماماً.. ولولاي لكنت في السجن.. الجميع يكرهك الآن ويكره إسرائيل بسبب هذا”. وقد انتشر هذا التقريع الترامبي المهين لنتنياهو في الأوساط الاسرائيلية التي أخذت تتحدث عن اختطاف ترامب للسيادة الاسرائيلية، ومسارعة بعض الرموز اليمينية المتطرفة لضرورة رفع الصوت بوجه ترامب والقول له: “لا”.
لم يكن الصعق الترامبي لنتيناهو على خلفية هجومه المؤجّل على لبنان، حبّاً ببلاد الأرز، أو كرمى لتدخلات عربية وغربية. فنرجسية ترامب لم تعبأ بكل هذا اللفيف من حلفاءه عند اللزوم، عندما باغت ايران بهجوم غير مسبوق. لكن يقين ترامب بانفلات الامور اذا ما نفذت ايران تهديدها بالعودة الى الحرب فيما لو عادت اسرائيل الى استهداف بيروت والضاحية الجنوبية، وكان سيهدّد المفاوضات مع ايران من جهة ويؤدي الى زعزعة استقرار المنطقة برمتها خصوصاً بعد اعلان حركة أنصار الله الحوثية عن انخراطها في إسناد حزب الله واقفال باب المندب، وكذلك بعض الفصائل العراقية، هو ما دفعه الى لجم نتنياهو.
لعلّها لعبة الاعلام، الذي يتحوّل في أحاييين كثيرة الى مسرح يعكس مَسرَحة الصراع، فالصراخ الذي انطلق من واشنطن الى تل أبيب وبيروت وطهران، كان الصوت الايراني فيه، هو الأكثر قرعاً على الطاولة. لكن لماذا أخفى هذا الصراخ صراخاً آخر دخل في دائرة الصمت المكبوت؟
فسلطنة عُمان التي امتازت طوال مسيرتها بدبلوماسية الصمت وعدم الاثارة والضجيج، لم تبلع التهديدات الترامبية بتفجيرها على خلفية عدم انخراطها في الحرب الاعلامية والدبلوماسية ضد طهران، فضلاً عن غموض تماهيها مع ايران بخصوص الادارة المشتركة لمضيق هرمز.
تهديد ترامب بتفجير سلطنة عُمان كشف بوضوح جانب آخر من عمق مأزق المقاربة الأميركية لقضية مضيق هرمز وليس النووي الايراني، كما كشف عن تصدّعات في بنيان مجلس التعاون الخليجي، والذي تغيّبت سلطنة عُمان عن اجتماعه الأخير، ما جحّظ حجم التحولات والمخاطر في بيئة استراتيجية قلقة أمنياً، ما يحتّم على قادة الدول الخليجية مراجعة تموضعاتها الاستراتيجية في منطقة أسيرة حسابات ترامب النرجسية.
وفي حواشي الاحفتاء بمذكرة التفاهم مع ايران، أطلق ترامب تهديداً آخر ضد بعض الدول التي لم تنضم للاتفاقات الابراهيمية، وهو التهديد الذي رفضته السعودية وربطت فيه انخراطها بأي إتفاقية سلام، بوجود مسار حقيقي جاد لقيام دولة فلسطينية. انه المسار المفقود منذ ما قبل معاهدة السلام العربية التي أطلقها “الأمير عبدالله” في قمّة بيروت، وهو المسار الذي تبخّر خصوصاً بعد مجلس السلام الترامبي لغزّة، وهو المسار الذي تدرّج به نتنياهو ليس ليُفرض مقابل السلام، بل مقابل القوة او مزيد من القوة، وطبعاً باتجاه “إسرائيل الكبرى” المهجوس ترامب بتوسيعها، وها هي المناطق العازلة في سوريا والخطوط الصفراء في لبنان بداية إرهاصاتها المشؤومة.




