رأي خاص

وهم الخطة الكبرى: كيف تُدار حرب النفوذ بين واشنطن وطهران

نعمت کروم

في الشرق الأوسط تتقاطع الحروب الإمبريالية، وتُعدّ المواجهة حول إيران إحدى أبرز تجليات هذا التقاطع. فهي ليست حربًا على منشأة نووية أو برنامج عسكري، بل صراع على إعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط. ولم يعد هذا الصراع محصورًا داخل حدود الدول، بل امتد إلى القواعد العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والممرات البحرية، وشبكات الحلفاء.
لكن أكبر أوهام هذه المواجهة هو الاعتقاد بأن طرفًا واحدًا يستطيع حسمها أو إعادة رسم المنطقة وفق إرادته. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا هائلًا، لكنها لم تثبت أن القوة وحدها قادرة على إنتاج واقع سياسي جديد. وفي المقابل، نجحت إيران خلال عقود في بناء مشروع نفوذ إقليمي عبر الحرس الثوري وفيلق القدس وشبكة من الحلفاء تمتد من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، لكنها لم تستطع تحويل هذا الامتداد إلى نظام إقليمي مستقر.
المعادلة ليست بين قوة تملك كل شيء وقوة لا تملك شيئًا، بل بين طرفين يمتلك كل منهما أدوات مختلفة للضغط ويواجه حدود قوته. فواشنطن تعتمد على القواعد العسكرية، والعقوبات، والتحالفات الأمنية، بينما تعتمد طهران على توسيع ساحات الصراع، واستخدام الحلفاء، والقدرة على الاستنزاف.
وهنا يظهر وهم “الخطة الكبرى”: الاعتقاد بأن ضربة عسكرية أو سياسة ضغط قصوى يمكن أن تنتج نهاية واضحة. فالحروب الحديثة لا تنتهي دائمًا عندما تُدمَّر قدرة عسكرية، بل عندما يُفرض ترتيب سياسي قادر على البقاء. وتاريخ المنطقة يثبت أن تدمير القدرة أسهل بكثير من بناء البديل.

من سليماني إلى ساحات النفوذ
كان اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني قرب مطار بغداد عام 2020 ضربة لأحد أهم مراكز إدارة الحضور الإيراني خارج الحدود. لكن العملية كشفت حدود الضربات النوعية؛ فقد غاب الرجل، بينما بقيت البنية التي عمل داخلها، لأن النفوذ لا يُختزل في الأفراد، بل في الشبكات التي تراكمت عبر عقود.
في العراق، أصبحت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران جزءًا من معادلة الصراع مع الوجود والمصالح الأمريكية. وفي سوريا، واصلت إسرائيل استهداف مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وخطوط نقل السلاح إلى حزب الله، في محاولة لمنع ترسيخ حضور عسكري إيراني دائم قرب حدودها.
ولم تعد إسرائيل تكتفي بمراقبة هذا الاشتباك من الخارج، بل أصبحت طرفًا مباشرًا فيه. فهي ترى الخطر الإيراني لا في البرنامج النووي فقط، بل في منظومة الامتداد الإقليمي التي بنتها طهران. لذلك اعتمدت سياسة تقوم على الضربات المتكررة لمنع تحول هذا الوجود إلى واقع استراتيجي يصعب تغييره.

البحر الأحمر: ورقة إرباك في حرب الاستنزاف
في اليمن، انتقلت المواجهة من ساحات البر إلى البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية العالمية. فقد حولت هجمات الحوثيين على السفن هذا الممر إلى ورقة ضغط إقليمية، بعدما اضطرت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وارتفعت كلفة النقل والتأمين.
كشفت هذه الجبهة أن حروب النفوذ لا تُدار بالصواريخ والقواعد العسكرية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على تعطيل التجارة ورفع كلفة المواجهة. فباتت وسائل الإرباك جزءًا من معادلة القوة، حتى من دون تحقيق انتصار عسكري مباشر.
لكن البحر الأحمر يختصر مفارقة الصراع: تستطيع واشنطن حماية الملاحة عسكريًا، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إنهاء الظروف السياسية التي تنتج التوتر.

الخليج بين الاحتواء والتصعيد
لم تعد دول الخليج تتعامل مع المواجهة بين واشنطن وطهران كصراع بعيد. فكل تصعيد ينعكس مباشرة على أمنها، واقتصادها، وممرات الطاقة التي تعتمد عليها.
وعندما أعادت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 2023 بوساطة صينية، كانت تحاول فتح مسار سياسي يخفف احتمالات الانفجار. غير أن التطورات اللاحقة أكدت أن التهدئة لا تعني نهاية التنافس، وأن التقارب الدبلوماسي لا يلغي صراع المصالح عندما تقترب تداعيات المواجهة من أمن المنطقة.
لهذا لم تعد دول الخليج تريد أن تكون مجرد ساحة لصراع الآخرين، بل تسعى إلى توسيع هامش حركتها عبر تنويع علاقاتها وإدارة المخاطر، إدراكًا منها أن أي حرب مفتوحة سيدفع ثمنها الجميع.

هرمز: الجغرافيا كسلاح
يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح هذا الصراع. فلا تحتاج إيران إلى إغلاقه حتى تستخدمه كورقة ضغط؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى التوتر حوله حتى ترتفع كلفة الطاقة والتأمين، وتدخل الأسواق في حالة اضطراب.
وفي المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري في الخليج لضمان حرية الملاحة ومنع أي طرف من التحكم بهذا الشريان الحيوي.
لكن هرمز يختصر بدوره حدود القوة لدى الجميع: فالجغرافيا قد تمنح أوراق ضغط، لكنها لا تمنح أحدًا القدرة على فرض نهاية الصراع.

القوة وحدودها
تكشف المواجهة حول إيران أن التفوق العسكري لا يساوي انتصارًا سياسيًا. فالولايات المتحدة تملك أكبر قدرة عسكرية واقتصادية في المنطقة، لكنها لم تستطع، عبر العقوبات والضربات وحدها، إنهاء البنية التي بنتها طهران خلال عقود.
وفي المقابل، استمرار الحضور الإيراني لا يعني امتلاك القدرة على الحسم. فقد نجحت طهران في بناء أدوات ضغط وانتشار، لكنها تواجه ضغوطًا اقتصادية واستنزافًا طويلًا، ولم تستطع تحويل امتدادها الإقليمي إلى نظام مستقر.
وهنا يتبدد وهم “الخطة الكبرى”. فهذه ليست حربًا تُحسم بضربة قاضية، بل صراع استنزاف طويل، يستطيع فيه كل طرف إلحاق الضرر بالآخر، من دون أن يملك القدرة على فرض نهاية الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى