رأي خاص

أوجه الشبه بين سلسلة الرتب والرواتب والعفو العام…أسئلة وهواجس

بقلم أحمد خالد يافاوي

أعرف جيدًا أنني يتنازعني رأيان فيما يخص قانون العفو العام الجاري البحث به بين ساعٍ لإقراره في مجلس النواب وبين رافض له. فتارة أجد نفسي مؤيدًا في موضوع رفع المظلومية عن المظلومين، وتارة أجد نفسي معارضًا له لأن الموضوع لا يتوقف على إقرار قانون، بل على تنفيذ القانون بعدالة، وخصوصًا أن القاصي والداني يعلم أن في لبنان يوجد قانون ولكن لا توجد عدالة، وأن بين كثيرين ممن هم في السجون أبرياء، وبأن أكثر منهم بكثير ممن قتلوا وظلموا وسرقوا واختلسوا هم طلقاء يتمتعون بالحرية وبأكثر مما يسمح به القانون.
لذلك، أشعر بأن المقاربة بين قانون العفو العام وقانون سلسلة الرتب والرواتب أصبح ضروريا لفهم خطورة المرحلة وما يمكن أن ينتج عن القرارات عندما تُقرّ في دولة ضعيفة ومؤسسات مهترئة وعدالة غائبة.
فقانون سلسلة الرتب والرواتب لم يكن في ظاهره سوى محاولة لإنصاف موظفين وعسكريين ومعلمين عانوا سنوات طويلة من التهميش وتآكل الرواتب، وكان مطلبًا محقًا في بلد ارتفعت فيه كلفة الحياة بشكل جنوني. لكن المشكلة لم تكن يومًا في مبدأ الإنصاف، بل في غياب الدولة القادرة على التمويل والإدارة والرقابة. فتم إقرار القانون من دون رؤية اقتصادية أو إصلاح مالي حقيقي، ليتحول لاحقًا إلى أحد العوامل التي سرّعت الانهيار المالي والنقدي، وفتحت الباب أمام الاستدانة والهدر، وصولًا إلى الكارثة الكبرى بضياع أموال المودعين وانهيار الثقة بلبنان ومصارفه ومؤسساته.
واليوم، يبدو المشهد مشابهًا مع قانون العفو العام. فالعنوان الظاهر يحمل بعدًا إنسانيًا يتعلق برفع الظلم عن مظلومين وموقوفين أمضى بعضهم سنوات من دون محاكمات عادلة، أو عن أشخاص دفعتهم الظروف السياسية والطائفية إلى السجون أكثر مما دفعتهم الجرائم نفسها. وهذا أمر لا يمكن إنكاره في بلد يعرف القاصي والداني أن العدالة فيه انتقائية، وأن كثيرًا من الأبرياء خلف القضبان، فيما يعيش قتلة وفاسدون ومختلسون ومهربون بحرية كاملة تحت حماية النفوذ والطائفة والمال.
لكن الخوف الحقيقي يكمن في أن يتحول العفو، كما تحولت سلسلة الرتب والرواتب سابقًا، من قضية حق إلى باب لكارثة أكبر. فحين تغيب الدولة العادلة، يصبح أي قانون قابلًا للتحول إلى أداة فوضى بدل أن يكون أداة إنصاف. والعفو الذي يُفترض أن يرفع المظلومية عن بعض الأبرياء، قد يتحول إلى مظلة لإخراج مجرمين وقتلة ومهربي مخدرات وفاسدين وتجار سلاح، ما يهدد الأمن الاجتماعي ويرفع منسوب الجريمة ويضرب ما تبقى من ثقة الناس بالقضاء والدولة.
المشكلة إذًا ليست في فكرة العفو بحد ذاتها، كما لم تكن المشكلة يومًا في حق الناس برواتب عادلة، بل في غياب الدولة التي تطبق القانون بعدالة ومساواة. ففي لبنان، غالبًا ما تُستخدم القوانين تحت ضغط الشارع والطوائف والتوازنات السياسية، لا تحت سقف المصلحة الوطنية والمؤسسات. وهنا تتحول القوانين من أدوات إصلاح إلى أبواب لانهيارات جديدة.
لقد دفع لبنان ثمن سياسات مالية وإقتصادية ، وقد يدفع اليوم ثمن قانون العفو العام. فكما أدى الإنفاق غير المدروس إلى انهيار الاقتصاد وسرقة أعمار الناس ومدخراتهم، قد يؤدي قانون العفو إلى انفلات أمني واجتماعي وأخلاقي يعيد إنتاج الجريمة بدل معالجة أسبابها.
إن العدالة الحقيقية لا تكون بعفو شامل يخلط بين المظلوم والمجرم، ولا بسجون مكتظة بأبرياء فيما كبار الفاسدين فوق المحاسبة، بل بقضاء مستقل ودولة قوية تميّز بين من يستحق الرحمة ومن يستحق العقاب. فالدول لا تُبنى بالتسويات المؤقتة، بل بسيادة القانون الحقيقي، القانون الذي يطال الجميع ويحمي الجميع بعدالته
فتعالوا، وقبل كل شيء
نستردّ الدولة للوطن،
والعدالة للقانون.
لأننا لا نحتاج قانونا بقدر ما نحتاج العدالة للقانون.

أحمد خالد يافاوي
15 أيار 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى